عودة جرارات الغضب إلى باريس.. مزارعو فرنسا يحتجون أمام البرلمان

تحول محيط البرلمان الفرنسي في باريس إلى ساحة احتجاج واسعة النطاق، حيث احتشد المزارعون بجراراتهم للتعبير عن رفضهم للسياسات الزراعية الحالية، وعلى رأسها اتفاقية التجارة الحرة مع تكتل “ميركوسور”. يمثل هذا الاعتصام، الذي بدأ الثلاثاء، تصعيدًا ملحوظًا في الاحتجاجات التي تشهدها فرنسا، ويطرح تساؤلات حول مستقبل القطاع الزراعي في البلاد في ظل الضغوط الاقتصادية والبيئية المتزايدة. ويأتي هذا التحرك في وقت حرج يواجه فيه المزارعون تراجعًا في الدخل وارتفاعًا في تكاليف الإنتاج.
وشهدت المنطقة المحيطة بالجمعية الوطنية حضورًا لآلاف المزارعين الذين أوقفوا حركة المرور بجراراتهم، معبرين عن غضبهم من الاتفاقيات التجارية التي يرونها تهديدًا لسبل عيشهم. وقد أثار هذا الحشد اهتمامًا إعلاميًا واسعًا، وتساءل المراقبون عن مدى قدرة الحكومة الفرنسية على التعامل مع هذا التصعيد غير المسبوق.
مطالب المزارعين الفرنسيين وتأثير اتفاقية ميركوسور
تتركز مطالب المزارعين حول عدة نقاط رئيسية، أبرزها وقف مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة مع “ميركوسور” التي يخشون أن تؤدي إلى إغراق السوق الأوروبية بمنتجات زراعية أرخص، مما يهدد قدرتهم التنافسية. كما يطالبون بتبسيط الإجراءات الإدارية وتخفيف الأعباء المالية التي تثقل كاهلهم، بالإضافة إلى دعم أكبر للإنتاج المحلي وضمان أسعار عادلة لمحاصيلهم.
وتعتبر اتفاقية “ميركوسور” نقطة خلاف رئيسية، حيث يرى المزارعون أنها لا تراعي المعايير البيئية والصحية الصارمة التي يلتزمون بها في أوروبا. ويخشون من أن السماح بدخول منتجات زراعية من دول “ميركوسور” لا تخضع لهذه المعايير سيشكل تهديدًا لصحة المستهلكين ويضر بالزراعة الأوروبية.
تأثير السياسات البيئية وارتفاع التكاليف
بالإضافة إلى الاتفاقيات التجارية، يشكو المزارعون من تأثير السياسات البيئية الأوروبية، التي يرون أنها تزيد من تكاليف الإنتاج وتحد من قدرتهم على الابتكار. ويطالبون بمراجعة هذه السياسات وإيجاد حلول عملية تراعي احتياجاتهم وتضمن استدامة القطاع الزراعي. كما يشيرون إلى الارتفاع المستمر في أسعار الأسمدة والطاقة والمواد الخام الأخرى، مما يزيد من صعوبة الحفاظ على ربحية مزارعهم.
وقد عبرت العديد من النقابات الزراعية عن دعمها لتحرك المزارعين، مطالبة الحكومة الفرنسية بالاستماع إلى مطالبهم واتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجتها. وأكدت هذه النقابات على أهمية القطاع الزراعي في الحفاظ على الأمن الغذائي والنسيج الاجتماعي للبلاد.
ردود الفعل الحكومية ومسار المفاوضات
في محاولة لتهدئة الأوضاع، أعلنت الحكومة الفرنسية عن استعدادها لفتح حوار مع ممثلي المزارعين، ووعدت بدراسة مطالبهم بعناية. وقد عقد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو اجتماعًا مع قادة النقابات الزراعية لبحث الأزمة وإيجاد حلول توافقية. كما أشار إلى إمكانية تقديم دعم مالي إضافي للمزارعين المتضررين.
ومع ذلك، يرى العديد من المزارعين أن هذه الوعود غير كافية، وأن الحكومة لم تتخذ حتى الآن أي إجراءات ملموسة لمعالجة مشاكلهم. ويطالبون بتقديم ضمانات واضحة بشأن وقف مفاوضات اتفاقية “ميركوسور” وتلبية مطالبهم الأخرى بشكل كامل.
وقد أكدت وزيرة الزراعة الفرنسية، آني جنيفارد، على التزام الحكومة بدعم القطاع الزراعي، مشيرة إلى أن فرنسا ستواصل الدفاع عن مصالح مزارعيها في المفاوضات الأوروبية. وأضافت أن الحكومة تدرك أهمية إيجاد حلول مستدامة تضمن استمرار الإنتاج الزراعي المحلي.
وتشير التقديرات إلى أن الأزمة الزراعية في فرنسا قد تتفاقم في الأشهر المقبلة، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات الأوروبية. ويخشى المراقبون من أن تستغل الأحزاب المعارضة هذه الأزمة لزيادة شعبيتها وتقويض موقف الحكومة.
في أعقاب اجتماع مطول بين ممثلي المزارعين ووزيرة الزراعة، بدأ المزارعون في مغادرة باريس في وقت متأخر من الليل، معبرين عن استيائهم من عدم تحقيق تقدم كبير في المفاوضات. وأكدوا على أنهم سيواصلون نضالهم حتى يتم تلبية مطالبهم بشكل كامل.
الخطوة التالية المتوقعة هي دراسة الحكومة الفرنسية لمطالب المزارعين وتقديم مقترحات ملموسة لمعالجتها. ومن المقرر أن تعقد النقابات الزراعية اجتماعًا في ستراسبورغ في 20 يناير لمناقشة الرد الحكومي وتحديد الخطوات التالية. ويراقب الجميع عن كثب تطورات الأزمة، ويتوقعون المزيد من التصعيد في حال لم يتم التوصل إلى حلول مرضية.





