غياث دلا وسهيل الحسن.. فلول الأسد تدير آلاف المقاتلين داخل وخارج سوريا

تكشف وثائق وتسجيلات حصلت عليها الجزيرة عن تحول في هيكلية بقايا النظام السوري السابق، من مجرد محاولات إعادة تنظيم عامة إلى إدارة ميدانية أكثر دقة ومركزية. وتُظهر هذه الوثائق تركيزًا على تقسيم المدن والمناطق، لا سيما في الساحل السوري، إلى وحدات مسلحة صغيرة مستقلة لكنها مترابطة، مما يشير إلى استراتيجية جديدة للاحتفاظ بالنفوذ وتعزيز الأمن في تلك المناطق. هذا التطور يثير تساؤلات حول مستقبل الاستقرار في سوريا، خاصة مع استمرار حالة عدم اليقين السياسي والأمني، ويضع الضوء على دور فاعلين رئيسيين في هذا التحول، أبرزهم رامي مخلوف وسهيل الحسن وغياث دلا.
وتشير التسجيلات والوثائق إلى أن هذا الهيكل الجديد لا يعتمد على تحركات عشوائية، بل على تنظيم هرمي مُحكم، يبدأ بالمستويات العليا وينتهي بتنفيذ المهام الميدانية عبر مجموعات صغيرة موزعة على الأحياء. وهذا التشكيل يعكس سعيًا لخلق انتشار مرن يصعب تفكيكه، ويعزز من قدرة هذه المجموعات على التحرك والتكيف مع الظروف المتغيرة، وهو ما يمثل تحديًا إضافيًا لجهود تحقيق الاستقرار في البلاد.
هيكلية جديدة لـ”فلول النظام السوري” وتوزيع النفوذ
وبحسب الوثائق، يتصدر رجل الأعمال رامي مخلوف، ابن خال الرئيس السوري السابق بشار الأسد، ما يسمى بالمجلس الأعلى للدفاع، وهو ما يؤكد استمرارية نفوذه المالي والسياسي. يليه قائد القوات الخاصة السابق سهيل الحسن، الذي يُعتبر من أبرز القياديين العسكريين، ثم العميد السابق غياث دلا، الذي يتولى الإشراف الميداني المباشر على هذه المجموعات المسلحة. هذه القيادات الثلاث تشكل رأس الهرم في هذا التنظيم الجديد.
بعد ذلك، قُسِّمت المناطق السورية إلى قطاعات جغرافية، يرأس كل منها قائد مسؤول عن التجنيد والتسليح والتمويل. وُضعت تحت إشرافهم أقسام أصغر، ثم مجموعات مسلحة موزعة بشكل استراتيجي على الأحياء السكنية. هذه البنية التنظيمية تُظهر مستوى عالٍ من التخطيط والتنسيق بين مختلف العناصر، وهو ما يثير القلق بشأن قدرتها على تنفيذ أجندتها بشكل فعال.
نطاق الانتشار الجغرافي
وتشير الوثائق إلى أن هذا النموذج التنظيمي و الانتشار الأمني طُبق في مدن وبلدات مختلفة، بما في ذلك اللاذقية وطرطوس ومصياف ودريكيش والشيخ بدر وبانياس. بالإضافة إلى ذلك، امتد النشاط ليشمل مناطق في حمص وتلكلخ والسقيلبية وسهل الغاب، مما يدل على سعي هذه المجموعات إلى توسيع نطاق نفوذها وسيطرتها في مناطق مختلفة من سوريا. هذا الانتشار الواسع يزيد من تعقيد المشهد الأمني ويجعل من الصعب تحديد التهديدات المحتملة.
وتؤكد التسجيلات أن العميد السابق غياث دلا لعب دورًا مركزيًا في متابعة هذه البنية الميدانية، من خلال التواصل المستمر مع قادة المجموعات، وجمع المعلومات عن أعداد المقاتلين وحجم التمويل المطلوب. هذا الدور الإشرافي يدعم فكرة أن هذا التنظيم يتمتع بمستوى عالٍ من التنسيق والقيادة المركزية.
وتكشف المعطيات أن دلا يعيش حاليًا في لبنان في ظروف أمنية حرجة، ويقوم بتغيير مكان إقامته وأرقام هواتفه بشكل متكرر. ويعتمد على ابنه، وهو ضابط سابق، في تنقلاته وإدارة بعض خطوط الاتصال، وهو ما يعكس حالة الحذر والتشبث بالأمن التي يعيشها.
وفي إحدى التسجيلات، أشار دلا إلى أن عدد المقاتلين المرتبطين بمجموعاته وصل إلى حوالي 42 ألف عنصر بحلول أبريل/نيسان 2025. ولدى هؤلاء المقاتلين ترسانة واسعة من الأسلحة، بما في ذلك الأسلحة المضادة للدروع مثل صواريخ كورنيت وكونكورس، بالإضافة إلى الأسلحة الرشاشة الثقيلة. هذا التسليح يشير إلى استعداد هذه المجموعات لمواجهة أي تهديد محتمل، و يثير القلق بشأن قدرتها على زعزعة الاستقرار في المنطقة.
وبالإضافة إلى ذلك، تبرز أسماء قادة ميدانيين آخرين لعبوا أدوارًا مهمة في هذا التنظيم، مثل علي أحمد عبد الهادي، المعروف بـ”علي عبيد”، مدير مكتب غياث دلا، الذي يوصف بأنه حلقة الوصل الرئيسية مع المجموعات المسلحة داخل سوريا. كما يظهر اسم العميد السابق مصطفى هاشم، الذي يُتهم بتأجيج الحراك المسلح، بالإضافة إلى باسل محمد، المرتبط بسهيل الحسن.
وتشير الوثائق إلى أن توزيع الأسلحة على هذه المجموعات تم بطرق ملتوية، بما في ذلك تمريرها عبر صناديق المساعدات الإنسانية، بهدف تجنب الاكتشاف وضمان وصولها إلى الوحدات المنتشرة داخل الأحياء. هذا التمويه يزيد من صعوبة تتبع الأسلحة ويجعل من الصعب منع استخدامها في أعمال عنف.
وتأتي هذه المعطيات في وقت تشهد فيه سوريا وضعًا سياسيًا وأمنيًا معقدًا، حيث لا يزال النزاع مستمرًا، وتتعرض البلاد لتهديدات إرهابية متزايدة. هذا الوضع يزيد من أهمية فهم الديناميكيات الداخلية للقوى الفاعلة في سوريا، بما في ذلك هذه المجموعات المسلحة.
من المقرر أن يتم نشر كامل التسجيلات والوثائق منتصف الشهر المقبل في برنامج “المتحري” على شاشة الجزيرة. هذا النشر المتوقع سيقدم مزيدًا من التفاصيل حول هذا التنظيم الجديد، وسيسلط الضوء على الأجندات الخفية وراءه، وسيثير نقاشًا واسعًا حول مستقبل سوريا. يظل الوضع في سوريا شديد التقلب، ويتطلب مراقبة دقيقة وتحليلًا مستمرًا لتقييم التهديدات المحتملة وفرص تحقيق الاستقرار.





