لأول مرة في العراق.. تعرف على مشروع تحديد حصة الفرد من المياه

بغداد – يشهد العراق تحديات متزايدة في قطاع المياه، وذلك بسبب عوامل متعددة تشمل التغيرات المناخية، وشح الأمطار، والتراجع في تدفق نهري دجلة والفرات. وقد دفعت هذه الأزمة المؤسسات الحكومية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة تهدف إلى ترشيد الاستهلاك وتحسين إدارةالموارد المائية، بما يضمن توفير حصة عادلة للمواطنين العراقيين. وتسعى الحكومة حاليًا إلى وضع استراتيجيات طويلة الأمد للتعامل مع هذا الملف الحيوي.
وتتركز الجهود الحكومية حاليًا على محورين رئيسيين: إجراءات لتقليل المخالفات في الاستخدام الزراعي والصناعي للمياه، وجهود أخرى تهدف إلى تحديد استهلاك الفرد من المياه بشكل دقيق، بحيث يتم بناء الخطط المستقبلية على أسس واقعية ومستدامة. يهدف هذا النهج إلى تحقيق عدالة في توزيع المياه، ومعالجة أوجه الهدر، والتخطيط لمشاريع مائية فعالة.
تحديد حصة الفرد من المياه: خطوة نحو استدامة الموارد
في أغسطس الماضي، أطلقت وزارة الإعمار والإسكان مشروعًا طموحًا يهدف إلى حساب حصة الفرد من مياه الشرب في أربع محافظات عراقية: بغداد، وأربيل، وذي قار، وكركوك. وقد اكتملت المرحلة الأولى من هذا المشروع في ديسمبر، وحققت نتائج أولية مهمة. ويهدف المشروع بشكل عام إلى توفير بيانات دقيقة حول الاستهلاك الفعلي للمياه في مختلف المناطق والقطاعات.
وصرح عمار المالكي، المدير العام للمياه في وزارة الإعمار والإسكان، بأن المشروع جاء نتيجة لرصد تفاوت كبير في نسب استهلاك المياه بين الجهات المعنية، مؤكدًا ضرورة وجود مرجع موحد لحساب الاستهلاك ووضع الخطط بناءً عليه. وقد تم ذلك من خلال تركيب مقاييس دقيقة على أنابيب المياه، وتسجيل قراءات يومية مفصلة.
وكشفت نتائج المرحلة الأولى أن متوسط استهلاك الفرد من المياه يبلغ حوالي 180 لترًا يوميًا، وهو أقل من التقديرات السابقة التي كانت تشير إلى 240 لترًا. ويرجع هذا الفرق إلى عدة عوامل، منها نسب الهدر في شبكات التوزيع القديمة، والتي تتطلب إعادة تأهيل عاجلة. كما أن المشروع أخذ في الاعتبار الاختلافات في أنماط الاستهلاك بين المناطق السكنية الراقية والمتوسطة والفقيرة.
أهداف المشروع وتوقعاته
يهدف المشروع إلى وضع خطة قصيرة المدى وأخرى طويلة المدى لإدارة الموارد المائية في العراق. تتضمن الخطة القصيرة المدى تقييمًا دقيقًا للاستهلاك الحالي، وتحديد نقاط الهدر، وتحسين جودة توزيع المياه. أما الخطة طويلة المدى، فتهدف إلى التخطيط لمشاريع مائية مستدامة، مع مراعاة النمو السكاني والتغيرات المناخية المتوقعة.
ويعتمد المشروع على خبرات محلية وتعاون مع منظمات دولية، مثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، لضمان تحقيق أهدافه بكفاءة وفعالية. ويتميز المشروع بأنه لا يتطلب أي تكاليف إضافية على الحكومة، حيث يتم تنفيذه باستخدام الموارد المتاحة.
تحديات وفرص مستقبلية في قطاع المياه
يشير خبراء اقتصاديون إلى أن تكلفة إنتاج لتر المياه الواحد في العراق تصل إلى 100 دينار، مما يبرز الحاجة إلى ترشيد الاستهلاك وتقليل الهدر. بالإضافة إلى ذلك، يجب العمل على تطوير مشاريع إعادة تدوير المياه، لمعالجة المياه الملوثة واستخدامها في أغراض غير صالحة للشرب، مثل ري الحدائق والمساحات الخضراء.
وتشير التقارير إلى أن نسبة المياه المهدرة في العراق تتراوح بين 25 و30%، بسبب قدم شبكات التوزيع وتآكلها. لذلك، يجب إعطاء الأولوية لمشاريع إعادة تأهيل هذه الشبكات، وتركيب مقاييس حديثة لمراقبة الاستهلاك وتحديد نقاط الهدر. كما يجب العمل على تغيير سلوك المستهلكين، وتشجيعهم على ترشيد استهلاك المياه.
وفي سياق متصل، يتجه العراق إلى استخدام مياه البحر في بعض المشاريع النفطية، وذلك لتقليل الاعتماد على المياه العذبة. وقد وقعت وزارة النفط عام 2023 عقودًا مع شركة “توتال إنيرجيز” الفرنسية، تتضمن استخدام مياه البحر في حقول النفط الجنوبية.
ومن المتوقع أن تستمر وزارة الإعمار والإسكان في توسيع نطاق مشروع تحديد حصة الفرد من المياه، ليشمل جميع المحافظات العراقية خلال الأشهر القادمة. كما يجب على الحكومة سن تشريعات جديدة لمحاسبة المتجاوزين على خطوط المياه، وتشجيع الاستثمار في مشاريع إعادة تدوير المياه وتحلية المياه المالحة. ويتعين متابعة تطورات مناسيب الأنهار والاتفاقيات مع دول الجوار لضمان تدفق عادل للمياه إلى العراق.





