Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
ثقافة وفنون

لماذا انتصر المسلسل على الفيلم؟

لم يعد تفوق المسلسلات التلفزيونية على الأفلام الروائية مجرد اتجاه عابر، بل تحولاً هيكلياً في طريقة استهلاك القصص المرئية والمسموعة عالمياً. تشهد صناعة الترفيه تحولاً ملحوظاً نحو المسلسلات كشكل سردي مهيمن، حيث تجذب ولاء الجمهور وتثير النقاشات الثقافية والنقدية بشكل لم يسبق له مثيل. ورغم استمرار السينما في الحفاظ على قيمتها الفنية، إلا أنها لم تعد تحتل الصدارة التي كانت عليها في السابق.

يثير هذا التحول تساؤلات حول دور منصات البث مثل نتفليكس، وهل ساهمت في هذا التغيير من خلال استراتيجيات التسويق والإلحاح، أم أن المسلسلات ببساطة تتوافق بشكل أفضل مع الأذواق السردية المتغيرة للجمهور المعاصر؟ وهل يشكل هذا التحول نهاية للدراما السينمائية التقليدية، وهل ستنحصر الأفلام في مساحة نخبوية مشابهة لمسرح اليوم، بعيداً عن الجمهور الواسع؟

الإنفاق المتزايد على المسلسلات التلفزيونية وتأثيره

تشير الأرقام إلى تحول واضح في الإنفاق على المحتوى الترفيهي. فقد تجاوز الإنفاق العالمي على المسلسلات التلفزيونية 243 مليار دولار أمريكي في عام 2023، مقارنة بنحو 85 مليار دولار أمريكي تم إنفاقها على إنتاج وتوزيع الأفلام السينمائية على مستوى العالم. هذه الزيادة تعكس الاستثمار الكبير الذي تقوم به منصات البث في إنتاج محتوى أصلي عالي الجودة.

ورغم تعافي إيرادات شباك التذاكر السينمائية جزئياً بعد جائحة كوفيد-19، لتصل إلى 33.9 مليار دولار أمريكي عالمياً في عام 2023 (وفقاً لشركة غاور ستريت أناليتكس)، إلا أنها لا تزال أقل بكثير من ذروتها التي بلغت 42.3 مليار دولار أمريكي في عام 2019. يشير هذا إلى أن الجمهور يفضل بشكل متزايد مشاهدة المحتوى في منازلهم عبر منصات البث.

وتؤكد بيانات المشاهدة هذا التحول. فقد أظهر تقرير “ذا غيج” الصادر عن شركة نيلسن لعام 2024 أن البث المباشر (Streaming) يستحوذ الآن على 38.4% من إجمالي وقت مشاهدة التلفزيون في الولايات المتحدة، متجاوزاً بذلك البث الأرضي والفضائي مجتمعين. والجدير بالذكر أن أكثر من 75% من الأعمال الأكثر مشاهدة عبر البث المباشر هي مسلسلات تلفزيونية درامية، وليست أفلاماً.

تغير الذائقة السردية للمشاهد

تكمن قوة السينما الكلاسيكية في التكثيف الدرامي. فالأفلام مثل “العراب” أو “سائق التاكسي” تقدم تحولات نفسية عميقة خلال فترة زمنية محدودة. في المقابل، تعتمد المسلسلات التلفزيونية على التراكم والتطور التدريجي للشخصيات والأحداث، مما يتيح لها استكشاف تعقيدات الحياة بشكل أكثر تفصيلاً.

وقد عبّر ديفيد تشيس، مبتكر مسلسل “آل سوبرانو”، عن هذه الميزة قائلاً إن التلفزيون يمنح المساحة والوقت للشخصيات لتتناقض مع نفسها دون الحاجة إلى تفسير مستمر. هذه المرونة الزمنية تسمح للمسلسلات بالتركيز على العمق السلوكي للشخصيات بدلاً من مجرد زخم الحبكة.

على سبيل المثال، في مسلسل “ماد مان”، يمكن أن تمر حلقات كاملة دون أحداث سردية رئيسية، ومع ذلك تتطور الشخصيات من خلال تفاصيل دقيقة في لغة الجسد والتعبيرات الصامتة. هذه العناصر، التي قد لا تتمكن السينما من استكشافها بعمق، تساهم في بناء شخصيات أكثر واقعية وتعقيداً.

علاقة جديدة بين الجمهور والمحتوى

تتميز المسلسلات التلفزيونية بقدرتها على بناء علاقة طويلة الأمد مع الجمهور. فبدلاً من الاستثمار العاطفي السريع الذي تتطلبه الأفلام، توزع المسلسلات هذا الاستثمار على مدى سنوات، مما يجعل الشخصيات جزءاً من حياة المشاهدين. يصف فينس غيليغان، مبتكر مسلسل “بريكينغ باد”، هذه الميزة بأن المسلسل لا يحتاج إلى كسب تعاطف المشاهد على الفور، بل يسمح له بالعيش مع الشخصية لفترة كافية تجعل الحكم عليها أكثر تعقيداً.

هذا التفاعل المستمر يغير طريقة تعامل المشاهدين مع السرد. لم تعد الشخصيات مجرد أدوات لخدمة القصة، بل أصبحت القصة وسيلة لتعزيز العلاقة بين المشاهد والشخصية. هذا التحول في المنظور يجعل المشاهدين أكثر ولاءً للمسلسلات وأكثر استثماراً في مصير شخصياتها.

التقارب الجمالي بين السينما والتلفزيون

شهدت المسلسلات التلفزيونية في السنوات الأخيرة تقارباً كبيراً مع أساليب السينما. فقد أصبحت تقنيات التصوير السينمائي، والموسيقى التصويرية الهادئة، والألوان الباهتة شائعة في المسلسلات، مما ساهم في رفع مستوى الجودة الفنية للمنتج التلفزيوني. وقد وصف بعض النقاد مسلسلات مثل “المحقق” بأنها “أفلام طويلة”.

ومع ذلك، يحذر بعض المخرجين من طمس الحدود بين السينما والتلفزيون. فقد أكد ألفونسو كوارون على أن السينما ليست مجرد مسلسل تلفزيوني طويل، بل هي تجربة مختلفة تماماً من حيث العلاقة بالزمان والمكان والنهاية. بينما تستخدم المسلسلات تقنيات السينما، فإنها غالباً ما تتجنب النهايات الحاسمة التي تميز الأفلام، مفضلةً ترك الأبواب مفتوحة لإنتاج أجزاء جديدة.

في الختام، يشير هذا التحول في صناعة الترفيه إلى أن المسلسلات التلفزيونية قد أصبحت الشكل السردي المهيمن في العصر الحديث. من المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه في المستقبل، مع استمرار منصات البث في الاستثمار في إنتاج محتوى أصلي عالي الجودة. ومع ذلك، من المهم أن نتذكر أن السينما لا تزال تحتفظ بمكانتها كشكل فني فريد، وأنها ستستمر في تقديم تجارب سينمائية مبتكرة ومثيرة. سيكون من المثير للاهتمام مراقبة كيفية تطور العلاقة بين السينما والتلفزيون في السنوات القادمة، وما إذا كانت ستشهدان المزيد من التقارب أو التمايز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى