Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
اقتصاد

لماذا لا يمكن تعويض الغاز القطري؟.. 6 عوامل حاسمة

عندما استُهدفت مدينة رأس لفان الصناعية يومي 18 و19 مارس/آذار الماضي، لم يكن الأمر مجرد ضربة عسكرية إيرانية ضمن ما قيل إنه رد على ضربات أمريكية إسرائيلية، بل كان استهدافا مباشرا لأحد أهم مراكز الثقل في منظومة الطاقة العالمية.

فهذه المدينة ليست مجرد منشأة إنتاج، بل هي مصدر مركزي لقرابة 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا، مما يجعل أي خلل فيها كفيلا بإرباك السوق على مدى طويل.

نستعرض في هذا المقال 6 عوامل حاسمة تجعل من الصعب على الأسواق العالمية تعويض الغاز القطري الذي فقدته السوق إثر الضربة الأخيرة:

كان المحللون -حسب رويترز- يتوقعون نمو المعروض بنسبة 10% هذا العام ليصل إلى (460-484 مليون طن)، لكن هذه التوقعات انقلبت إلى شح حاد بعد إغلاق مضيق هرمز واستهداف رأس لفان

العامل الأول: صدمة الإمدادات

أخرجت الضربة الإيرانية خطين من أصل 14 خط إنتاج عن الخدمة، بطاقة تصل إلى 12.8 مليون طن سنويا (ما يعادل نحو 3% من إمدادات الغاز المسال العالمية).

وهذا الرقم كان كافيا لإحداث اضطراب حاد في السوق وصدمة في الأسعار يتوقع استمرارهما لمدة 6 أشهر على الأقل.

وقد أشارت وكالة الطاقة الدولية، غداة الضربة، إلى أن تدفقات النفط والغاز قد تستغرق ما يصل إلى 6 أشهر للعودة إلى معدلاتها الطبيعية، خاصة من منطقة الخليج، محذرة من أن العالم يواجه ما قد تكون أعنف أزمة طاقة في التاريخ.

كما أن هذا التعطل في الإنتاج قد يمتد تقنيا لفترة تتراوح بين 3 إلى 5 سنوات، مما سيؤثر بعمق على توقعات المعروض العالمي.

العامل الثاني: أزمة شح المعروض وهشاشة السوق

تظهر هذه الصدمة مدى حساسية الأسواق لأي نقص، خاصة في ظل هشاشة المعروض الحالي؛ فكبار المنتجين يعملون بالفعل قرب طاقتهم القصوى، وأي محاولة للتعويض الفوري تصطدم بحدود تقنية وسياسية، مما يجعل السوق عاجزا عن امتصاص الفجوة الكبيرة.

وفي هذا السياق، كشفت شركات استشارات كبرى مثل “ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي” عن توقعاتها بانخفاض المعروض العالمي بما يصل إلى 35 مليون طن، وهو ما يعمق الفجوة بين العرض والطلب.

ورغم أن الدول قد تلجأ إلى مخزوناتها الإستراتيجية مؤقتا، فإن استنزافها دون تعويض سيجعل تأمين الطاقة مستقبلا في غاية الصعوبة.

وكان المحللون -حسب رويترز- يتوقعون نمو المعروض بنسبة 10% هذا العام ليصل إلى (460-484 مليون طن)، لكن هذه التوقعات انقلبت إلى شح حاد بعد إغلاق مضيق هرمز واستهداف رأس لفان.

حتى الأسواق التي تعول على البدائل ستصطدم بحقيقة أن الولايات المتحدة (المصدر الأول بنحو 90-95 مليون طن) وأستراليا (نحو 80-82 مليونا) تعملان حاليا عند حدهما الأقصى، كما أن معظم شحناتهما محجوزة

العامل الثالث: تعطل العقود وشبكات الإمداد العالمية

أعلنت “قطر للطاقة” حالة “القوة القاهرة” على عقود طويلة الأمد مع كبار المستوردين، بما يشمل إيطاليا وبلجيكا والصين وكوريا الجنوبية.

ومع هذا الإعلان، انتقل الاضطراب من خطوط الإنتاج ليخترق شبكة محطات “إعادة التغييز” في أوروبا وآسيا، لتصبح الصدمة مترابطة تؤثر على المسار اللوجيستي كاملا.

ففي عام 2025، شحنت قطر للطاقة ما يقارب 81 مليون طن متري، توجه أكثر من 80% منها نحو الأسواق الآسيوية (الصين، اليابان، الهند، وكوريا الجنوبية)، فضلا عن أوروبا التي تعد مشتريا رئيسيا بموجب عقود طويلة الأجل.

وهذا الارتباط يعني أن السوق لا يواجه نقصا في الكميات فحسب، بل شللا في انتظام السلاسل التي لا تقبل التوقف المفاجئ.

العامل الرابع: محدودية البدائل وصعوبات التوسع

حتى الأسواق التي تعول على البدائل ستصطدم بحقيقة أن الولايات المتحدة (المصدر الأول بنحو 90-95 مليون طن) وأستراليا (نحو 80-82 مليونا) تعملان حاليا عند حدهما الأقصى، كما أن معظم شحناتهما محجوزة مسبقا. لذا، من “غير المرجح أن تسد أمريكا أي فجوة كبيرة” وفق تقرير لرويترز.

كما يواجه الموردون في أفريقيا قيودا فنية واستثمارية تجعل أي توسع مستقبلي عملية طويلة ومعقدة، وأي تعويض سريع مجرد وهم؛ فتصدير الغاز يتطلب استثمارات ضخمة.

يضاف إلى ذلك أن دولا آسيوية عديدة بنت أمنها الطاقي على تدفق الغاز القطري المنتظم، وسيكون من الصعب عليها تأمين البديل عبر “السوق الفورية” التي تشهد ضغطا كبيرا وطلبا أقوى، ترافق مع ارتفاع قياسي في الأسعار.

وهنا ستؤدي المنافسة المحمومة على الشحنات المتاحة إلى “حرب أسعار” تخرج الدول الأقل قدرة على السداد من دائرة المنافسة على هذه الإمدادات.

التزامن بين تعطل الإمدادات القطرية وانكفاء المنتجين الكبار سيخلق وضعا معقدا؛ فبدلا من تعويض النقص، يتجه المعروض العالمي إلى مزيد من الانكماش

العامل الخامس: التداعيات الاقتصادية الشاملة

يتحول شح المعروض تلقائيا إلى ارتفاع في الأسعار يلقي بظلاله على الاقتصاد العالمي؛ حيث تشهد الأسواق ارتفاعات ملحوظة في مؤشرات الغاز في أوروبا (TTF) وآسيا (JKM)، في وقت تشير تقارير رويترز إلى قفزات حادة في آسيا تجاوزت أحيانا 100%.

ولم يتوقف التأثير عند الأسعار، بل أثار مخاوف من تضخم عالمي واحتمالات تشديد السياسات النقدية للبنوك المركزية، مما ينذر بتراجع الاستثمارات وتهديد سلاسل الغذاء.

وفي هذا السياق، حذرت كريستين لاغارد من أن اضطرابات الطاقة قد تستمر سنوات، وأن الصدمة قد تفوق توقعات الخبراء.

كما حذرت منظمة (الفاو) من أن ارتفاع تكاليف الطاقة سينعكس مباشرة على أسعار الغذاء، مهددا الأمن الغذائي، خاصة في الدول الهشة.

العامل السادس: انكماش المعروض من الأسمدة والهيليوم

تتوسع التداعيات لتمس قطاع الأسمدة والمنتجات البتروكيماوية؛ فقطر هي أكبر مصدر لليوريا من موقع إنتاج واحد في العالم (5.67 ملايين طن سنويا)، كما تساهم بنحو 30% إلى 40% من الإنتاج العالمي للهيليوم (المرتبة الثانية بعد أمريكا)، وهو مادة حيوية لصناعة الرقائق الإلكترونية والرعاية الصحية.

ويتزامن هذا مع اتخاذ منتجين كبار قرارات تقليص الصادرات؛ حيث شددت الصين قيودها على تصدير الأسمدة لضبط أسعارها المحلية، كما أوقفت روسيا تصدير أنواع رئيسية من الأسمدة النيتروجينية مؤقتا.

هذا “الانكفاء نحو الداخل” من قبل كبار المنتجين سيجعل العالم يواجه عجزا مزدوجا في الطاقة والمواد الأولية.

والخلاصة أن هذا التزامن بين تعطل الإمدادات القطرية وانكفاء المنتجين الكبار سيخلق وضعا معقدا؛ فبدلا من تعويض النقص، يتجه المعروض العالمي إلى مزيد من الانكماش.

والمحصلة لن تقتصر على غلاء الغاز، بل سيواجه العالم موجة تضخمية تمتد إلى الغذاء والصناعة، لتتحول المواد الأولية من محركات للنمو إلى أدوات ضغط في بيئة اقتصادية مضطربة بسبب الحروب التجارية والنزاعات.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى