لماذا يلجأ اللاعبون إلى التمثيل داخل الملعب؟

قبل إدخال تقنية حكم الفيديو المساعد (فار)، شهدت مباريات كرة القدم آلاف الأخطاء التحكيمية والقرارات المثيرة للجدل، التي أثرت في مصير فرق ومنتخبات. ورغم الانتقادات المتواصلة للحكام، ظل الرد المتكرر بأن الحكم بشر، وأن الخطأ جزء من اللعبة. جاء الفار بهدف تقليل هذه الأخطاء وزيادة العدالة في الملعب، لكنه أثار جدلاً جديداً حول سلوك اللاعبين، وخاصةً فيما يتعلق بـالتمثيل داخل منطقة الجزاء.
يهدف الفار إلى مساعدة الحكام في اتخاذ قرارات أكثر دقة في حالات محددة، مثل التسلل وركلات الجزاء ولمس اليد والبطاقات الحمراء. ومع ذلك، لم يختفِ الجدل حول القرارات التحكيمية، بل تحول التركيز إلى كيفية استغلال اللاعبين للتقنية الجديدة، وظهور ظاهرة التمثيل بشكل ملحوظ.
التمثيل في كرة القدم: هل الفار زاد الطين بلة؟
من حيث المبدأ، لا ينبغي للاعب أن يستفيد من التمثيل في عصر الإعادة البطيئة وزوايا التصوير المتعددة. قانون اللعبة ينص على معاقبة اللاعب الذي يتظاهر بالتعرض لخطأ بإنذار وركلة حرة غير مباشرة للفريق المنافس. ومع ذلك، تشير الوقائع إلى أن هذه العقوبات لا تردع اللاعبين بما يكفي.
حادثة طرد إيمرسون بالميري، لاعب أولمبيك مرسيليا، بعد حصوله على إنذار ثانٍ بسبب التمثيل، أعادت إلى الواجهة سؤالاً مهماً: ما الذي يدفع اللاعبين إلى المجازفة بالعقوبة في ظل وجود تقنية الفيديو؟
التمثيل كوسيلة دفاعية
يرى مختصون ولاعبون سابقون أن اللاعبين يلجأون إلى التمثيل كوسيلة لحماية أنفسهم، أو للحصول على قرارات لصالح فرقهم. ففي كثير من الحالات، لا يكفي وقوع الاحتكاك وحده لتحريك الحكم أو غرفة الفار، بل يتطلب الأمر رد فعل واضحًا من اللاعب المتضرر.
وهكذا، ترسخ منطق عملي في غرف الملابس مفاده أن “اللاعب الذي لا يبالغ في السقوط لا يساعد فريقه”. هذا المنطق، وإن كان غير أخلاقي، أصبح جزءًا من التكتيكات المستخدمة في المباريات.
تجسد لقطة كايل ووكر، الذي نجا من العقوبة بعد تدخل بدا عنيفًا على باتريك دورغو، هذا الإشكال بوضوح. لم يتدخل الحكم أو الفار، لأن دورغو حاول مواصلة اللعب ولم يظهر رد فعل مبالغ فيه. وهذا يثير تساؤلات حول معايير تقييم العنف في كرة القدم.
هل التحكيم هو السبب الوحيد؟
التحكيم ليس السبب الوحيد وراء استمرار ظاهرة التمثيل. هناك عوامل أخرى تلعب دورًا، مثل شخصية اللاعب، ومدى مهارته في المراوغة، والثقافة الكروية السائدة في بعض البلدان.
فبعض اللاعبين، مثل نيمار، اشتهروا بالتمثيل، وأصبحوا موضع سخرية من الجماهير. بينما يرى آخرون أن التمثيل هو جزء من “الذكاء الكروي”، وأن اللاعبين يجب أن يستخدموا كل الوسائل المتاحة لتحقيق الفوز.
كما أن بعض المدارس الكروية تشجع على التحايل، وتعتبره جزءًا من التكتيكات المسموح بها. وهذا يساهم في انتشار هذه الظاهرة في كرة القدم.
تأثير الفار على سلوك اللاعبين
لم يلغِ الفار التمثيل، لكنه غيّر من طبيعته. ففي منطقة الجزاء، حيث يمكن لاحتكاك بسيط أن يؤدي إلى ركلة جزاء، بات اللاعبون يتعمدون تضخيم الاحتكاكات الخفيفة أملاً في الحصول على قرار لصالحهم. وهذا يجعل مهمة الحكم أكثر صعوبة، ويتطلب منه قدرًا أكبر من الحذر والتركيز.
الآن، أصبح اللاعبون أكثر وعيًا بزوايا التصوير، وبإمكانية مراجعة اللقطات من قبل الفار. لذلك، يحاولون أن يكونوا أكثر حذرًا في التمثيل، وأن يختاروا اللحظات المناسبة للقيام بذلك.
ومع ذلك، لا يزال التمثيل يمثل مشكلة كبيرة في كرة القدم، ويؤثر على نزاهة اللعبة. فالقرارات التحكيمية الخاطئة، التي تنتج عن التمثيل، يمكن أن تغير مسار المباريات، وتؤثر على نتائج البطولات.
يتطلب حل هذه المشكلة تضافر جهود جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك الحكام واللاعبين والمدربين والاتحادات الكروية. يجب توحيد معايير التحكيم، وتطبيق العقوبات بصرامة على اللاعبين الذين يثبت تورطهم في التمثيل. كما يجب العمل على تغيير الثقافة الكروية السائدة، وتشجيع اللعب النظيف والأخلاقي.
في المستقبل القريب، من المتوقع أن تستمر الاتحادات الكروية في تطوير تقنية الفار، وتحسين أدائها. كما قد يتم النظر في إدخال تقنيات جديدة، مثل الذكاء الاصطناعي، لمساعدة الحكام في اتخاذ القرارات الصحيحة. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو تغيير سلوك اللاعبين، والقضاء على ظاهرة التمثيل التي تهدد نزاهة اللعبة.





