ما تداعيات إغلاق السوق الموازية للعملات في ليبيا؟

تواجه قيمة الدينار الليبي ضغوطاً متزايدة في السوق الموازية، حيث ارتفع سعر صرف الدولار إلى مستويات قياسية تجاوزت 9 دنانير. يأتي هذا التطور عقب إجراءات اتخذها مصرف ليبيا المركزي لتنظيم مكاتب الصرافة وتقييد تداول النقد الأجنبي خارج النظام المصرفي الرسمي، بهدف الحد من السوق السوداء والسيطرة على الأسعار، إلا أن النتائج كانت عكسية. هذه الخطوات أثارت جدلاً واسعاً حول فعالية السياسات النقدية الحالية وتأثيرها على الاقتصاد الوطني، وتحديداً على سعر الصرف.
وفي حين برر مصرف ليبيا المركزي هذه الإجراءات بالرغبة في تقليص النشاط غير المنظم للسوق الموازية وتقليص تداول النقد الأجنبي، أظهر الواقع ارتفاعاً أكبر في سعر الدولار بعد تطبيقها. تشير تقديرات إلى أن سعر الدولار في السوق الموازية وصل إلى 8.86 دينارات مقابل متوسط رسمي قدره 5.4 دينارات، مما دفع المصرف المركزي إلى إلقاء اللوم على السوق الموازية في أزمة الدولار، إلا أن مراقبين يرون أن المشكلة أعمق وأكثر تعقيداً.
تأثير تنظيم مكاتب الصرافة على سوق العملة
يرى المحلل الاقتصادي محمد درميش أن خطوة المركزي جاءت متأخرةً ومتخبطة، مشيراً إلى إخفاقه في القيام بدوره كسلطة نقدية فاعلة منذ عام 2015. ودعا إلى تبني خطة متكاملة وواضحة، والتنسيق مع وزارة المالية لتجاوز هذه الأزمة. وأضاف أن البيانات المنقوصة والمقتضبة الصادرة عن المصرف المركزي لا تعكس الوضع الحقيقي ولا تساعد في اتخاذ قرارات مستنيرة.
مصدر خاص من داخل مصرف ليبيا المركزي، فضل عدم الكشف عن هويته، رجح أن تشهد سياسات المركزي تحولاً جذرياً في المرحلة المقبلة. ويعزو هذا التوقع إلى استدعاء المصرف من قبل مجلس النواب لمناقشة آخر المستجدات الاقتصادية، وتنصل الأخير من مراجعة قرار الضريبة على مبيعات النقد الأجنبي. هذا التطور يعكس حالة من عدم الثقة بين السلطتين النقدية والتشريعية.
توسيع صلاحيات شركات الصرافة المرخصة
أكد المصدر أن المركزي يتجه نحو منح المزيد من أذونات المزاولة لشركات ومكاتب الصرافة التي قدمت طلبات حتى نهاية أغسطس الماضي. وذكر أن المصرف قد يمنحها صلاحيات أوسع لتنفيذ عمليات بيع النقد الأجنبي للأفراد بغرض السفر والعلاج والدراسة، بحد أقصى 2000 دولار سنوياً، بالإضافة إلى بعض الحوالات الخارجية. يأمل المصرف من خلال هذه الخطوة في توفير سيولة من العملة الأجنبية للمواطنين وتقليل الضغط على السوق الموازية.
ويتوقع أن يعقد محافظ المصرف المركزي ناجي عيسى اجتماعاً في أبريل المقبل مع شركات الصرافة المرخصة لمناقشة هذه المستجدات وتحديد آليات التنفيذ. هذا الاجتماع يمثل فرصة مهمة للحوار والتنسيق بين المصرف المركزي والقطاع الخاص، بهدف تحقيق الاستقرار في سوق الصرف.
اختلالات هيكلية وأسباب تفاقم الأزمة
ويرجع أستاذ الاقتصاد يوسف يخلف مسعود جذور أزمة السوق الموازية إلى سوء إدارة السياسات النقدية منذ عام 2011، حيث ضخ المصرف المركزي كميات كبيرة من النقد خارج الأطر النظامية. وأشار إلى أن تقرير ديوان المحاسبة في عام 2012 وثق هذه الممارسات غير السليمة. وأضاف أن فرض قيود انتقائية على تداول الدولار في عام 2014، على خلفية اندلاع الحرب في طرابلس، أدى إلى تفاقم الأزمة وتعزيز نشاط السوق الموازية.
ويشدد الخبير الاقتصادي علي الصلح على أن أحد أهم أسباب تدهور قيمة الدينار هو اللجوء إلى طباعة النقود لتمويل العجز في الموازنة العامة. وأوضح أن الحكومات المتعاقبة ضغطت على المصرف المركزي لتمويل العجز، مما أدى إلى زيادة المعروض من النقد المحلي وفقدان قيمة الدينار. هذا التمويل النقدي يرفع مستويات التضخم ويؤثر سلباً على القوة الشرائية للمواطنين.
بدائل تنظيم سوق الصرف
واقترح الخبير الاقتصادي علي الصلح عدة خطوات لتنظيم سوق الصرف وتحقيق الاستقرار، بما في ذلك دمج كبار الفاعلين في السوق الموازية ضمن إطار قانوني خاضع لرقابة المصرف المركزي. كما دعا إلى تعديل سعر الصرف ليعكس واقع العرض والطلب، وتفعيل منصة إلكترونية موحدة وشفافة لتوزيع النقد الأجنبي. هذه الإجراءات، بحسب الصلح، ستساعد في القضاء على السوق الموازية وتعزيز الشفافية والنزاهة في سوق الصرف.
وفيما يتعلق بالمشاريع الصغرى والمتوسطة، يرى رئيس الغرفة الاقتصادية والتجارية الليبية المصرية إبراهيم الجراري أنها تعاني من صعوبات كبيرة في الحصول على النقد الأجنبي. وأشار إلى أن هذه الصعوبات تهدد هذه المشاريع بالإغلاق وتزيد من معدلات البطالة. وطالب الجراري بتخصيص حصة واضحة من العملات الأجنبية للمشاريع الصغرى والمتوسطة وتبسيط شروط فتح الاعتمادات المستندية.
يبدو أن مستقبل الدينار الليبي يعتمد على قدرة المصرف المركزي والحكومة على معالجة هذه الاختلالات الهيكلية واتخاذ إجراءات فعالة لتنظيم سوق الصرف. من المتوقع أن يعقد المصرف المركزي اجتماعاً مع شركات الصرافة المرخصة في أبريل المقبل لمناقشة هذه المستجدات وتحديد آليات التنفيذ. وسيكون من المهم مراقبة تطورات هذا الاجتماع وتأثيرها على سوق الصرف في الأشهر المقبلة. ويظل السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار الضغوط على الدينار في ظل الوضع الاقتصادي والسياسي الحالي.





