نيويورك تايمز: الحرب بين الصين وتايوان قد تبدأ دون دوي المدافع

قدّم الكاتب والمحلل السياسي نيكولاس كريستوف في عموده بصحيفة نيويورك تايمز قراءة تحليلية من قلب تايبيه، لسيناريو مقلق حول كيفية اندلاع حرب بين الصين وتايوان، محذرا من أن مؤشرات الصدام قد تبدأ بهدوء شديد قبل أن تتحول إلى مواجهة عسكرية واسعة النطاق قد تجر الولايات المتحدة وحلفاءها إلى قلب المعركة. ويُركز التحليل على مسارات التصعيد المحتملة، بما في ذلك الهجمات السيبرانية والحصار البحري، وكيف يمكن أن تؤدي هذه الإجراءات إلى حرب تايوان.
ويرى كريستوف أن نذر الحرب قد لا تبدأ بدوي المدافع، بل ربما بتحركات صامتة من جانب بكين لنقل أصولها المالية بعيدا عن الدول الغربية تحسبا لتجميدها في حال اندلاع الحرب، يليها إطلاق حملات وطنية داخل الصين تدعو المواطنين إلى التبرع بالدم. هذه التحركات، على الرغم من بساطتها الظاهرية، يمكن أن تكون بمثابة إشارات مبكرة على استعداد الصين لسيناريو صراع.
هجمات سيبرانية وتمهيد الطريق لـ حرب تايوان
ثم بعد ذلك، ووسط تحركات القوات وما قد يصاحبها من جدل حول ما إذا كانت هذه التحركات تشكل تهديدا حقيقيا أم مجرد خدعة، قد تشن الصين هجمات سيبرانية واسعة النطاق على تايوان تؤدي إلى تعطيل شبكات الكهرباء والمصارف، إلى جانب تخريب كابلات الإنترنت البحرية التي تربط الجزيرة بالعالم، بحسب المقال. تهدف هذه الهجمات إلى شل البنية التحتية الحيوية لتايوان وتقويض قدرتها على المقاومة.
ويوضح كريستوف أن الضربة الأولى قد تشمل استهداف القصر الرئاسي في العاصمة تايبيه ومقار الاستخبارات والجيش التايواني في محاولة لشل القيادة السياسية والعسكرية، وربما توجيه ضربات أيضا إلى قواعد أميركية في اليابان وجزيرة غوام التابعة للولايات المتحدة لمنع واشنطن من التدخل السريع. هذا السيناريو يهدف إلى تحقيق مفاجأة استراتيجية وتقليل قدرة تايوان وحلفائها على الرد.
كما يتوقع أن تفرض الصين حصارا بحريا خانقا على تايوان، مع التركيز على منع الولايات المتحدة واليابان من تقديم أي دعم. هذا الحصار سيؤثر بشكل كبير على الاقتصاد التايواني وقدرته على الحصول على الإمدادات الضرورية.
المنطقة الرمادية وتصعيد التوترات
ويعتبر المحلل السياسي في مقاله أن هذه نسخة متطرفة لما قد يبدو عليه الهجوم الصيني الأولي للاستيلاء على تايوان، وهي مستوحاة من محادثات مع مخططين عسكريين ومن كتاب سيصدر قريبا بعنوان “الدفاع عن تايوان” لمؤلفه آيك فرايمان من جامعة ستانفورد. هذا السيناريو يعكس قلقا متزايدا بشأن الاستعدادات العسكرية الصينية.
ومع أن معظم خبراء شؤون الصين يرجحون أن الحرب غير مرجحة خلال العقد المقبل، إلا أن تقارير استشارية تحذر من احتمال يصل إلى 30% لغزو صيني خلال 5 سنوات، و60% لفرض حصار جوي وبحري. هذه التقديرات تشير إلى أن المخاطر لا تزال كبيرة.
ورغم اعتقاد كريستوف بأن غزوا صينيا شاملا لتايوان قد يفشل، إلا أنه يشكك في حدوثه خلال السنوات القليلة المقبلة، لكن ضغوط المنطقة الرمادية اليوم تشكل -برأيه- تحديا يوميا ومن المرجح أن تزداد، كما أنها تحمل نُذُرا بالتحول إلى حرب شاملة تجر الولايات المتحدة إليها. تشمل هذه الضغوط التهديدات العسكرية المتكررة، والتدخل في الانتخابات، والحملات الإعلامية المضللة.
تهديد الاقتصاد العالمي
ويخلص كريستوف إلى أن تكلفة الحرب ستكون كارثية على الجميع، وأن نجاح الصين في ضم تايوان سيغيّر موازين القوى في منطقة المحيط الهادي ويهدد الاقتصاد العالمي بسبب مصانع الرقائق الإلكترونية التابعة لشركة (تي. إس. إم. سي) التايوانية العملاقة للرقائق الإلكترونية. تعتبر تايوان منتجا رئيسيا لأشباه الموصلات، وأي تعطيل لإنتاجها سيؤثر بشكل كبير على الصناعات العالمية.
ولهذا يرى أن الردع هو الخيار الوحيد، لكنه يتطلب إرادة سياسية حقيقية من تايوان نفسها، التي تعاني من انقسامات داخلية واستعداد محدود لتحمّل كلفة الدفاع عن استقلالها. يتطلب الردع الفعال استثمارات كبيرة في الدفاع وتعزيز العلاقات مع الحلفاء.
أما الخطوة الأخطر، من وجهة نظر كريستوف، فستكون فرض حصار كامل، خصوصا على النفط والغاز، وهو ما قد يشعل حربا شاملة، نظرا لاعتماد تايوان شبه الكامل على واردات الطاقة، وامتلاكها مخزونا لا يكفي سوى لأسبوعين أو 3 أسابيع فقط. حينها قد يعتمد مستقبل تايوان على ما إذا كان الرئيس دونالد ترامب مستعدا لأمر البحرية الأميركية بمرافقة السفن إلى تايوان لكسر الحصار.
في الختام، يظل الوضع حول تايوان متوترا وغير مؤكد. من المتوقع أن تواصل الصين ممارسة الضغوط على تايوان، سواء من خلال الإجراءات العسكرية أو الاقتصادية أو السياسية. سيكون من المهم مراقبة التطورات في المنطقة عن كثب، بما في ذلك الاستعدادات العسكرية الصينية، والردود الفعل من تايوان والولايات المتحدة، والتأثير على الاقتصاد العالمي. الخطوة التالية الحاسمة ستكون رد فعل بكين على أي تحركات استباقية من جانب تايبيه لتعزيز دفاعاتها أو السعي إلى مزيد من الاستقلال.





