مسؤولون أميركيون سابقون: غزو غرينلاند سيكون حماقة إستراتيجية

أرسل مسؤولون أمريكيون سابقون رفيعو المستوى مذكرةً إلى البيت الأبيض ووزارة الخارجية وأعضاء الكونغرس، يحذرون فيها من عواقب وخيمة محتملة للاستيلاء على غرينلاند، وهي جزيرة ذات أهمية استراتيجية واقتصادية متزايدة. وتأتي هذه التحذيرات في ظل تصريحات متكررة للرئيس السابق دونالد ترامب بشأن إمكانية استحواذ الولايات المتحدة على الجزيرة، مما أثار قلق حلف شمال الأطلسي (الناتو) والدنمارك.
المذكرة، التي وقع عليها 15 شخصية بارزة من الإدارات الجمهورية والديمقراطية، تؤكد على أهمية الحفاظ على علاقات قوية مع الدنمارك، وتشير إلى أن التهديد باستخدام القوة قد ينعكس سلبًا على المصالح الأمريكية طويلة الأجل في المنطقة القطبية الشمالية.
مخاطر الاستيلاء على غرينلاند وتداعياته على حلف الناتو
بحسب المذكرة، فإن أي محاولة للاستيلاء على غرينلاند بالقوة قد تؤدي إلى تدمير الثقة داخل حلف الناتو. ويوضح الموقعون أنه من المحتمل أن يؤدي ذلك إلى استياء عميق في الدنمارك، وهي حليف رئيسي للولايات المتحدة لطالما قدم الدعم في العديد من القضايا الأمنية والاقتصادية العالمية.
علاوة على ذلك، يرى المسؤولون السابقون أن الولايات المتحدة يمكنها تحقيق أهدافها الاستراتيجية في غرينلاند من خلال الدبلوماسية والتعاون، بدلاً من اللجوء إلى التهديدات العسكرية. ويشيرون إلى أن هناك طرقًا أخرى لضمان الوصول إلى الموارد الطبيعية الهامة في الجزيرة، بما في ذلك المعادن النادرة التي تزداد أهميتها في الصناعات التكنولوجية الحديثة.
تصريحات ترامب وتصاعد التوتر
تعود جذور هذه المخاوف إلى تصريحات الرئيس ترامب المتكررة حول إمكانية “الاستيلاء” على غرينلاند. وقد أثارت هذه التصريحات استياءً واسعًا في الدنمارك، حيث أعتُبرت تدخلًا سافرًا في سيادتها. في أحدث مرة، جدد ترامب تأكيده على أن الولايات المتحدة بحاجة إلى السيطرة على الجزيرة لمنع روسيا أو الصين من تأسيس وجود عسكري في المنطقة القطبية الشمالية.
في المقابل، دعت الحكومة الدنماركية إلى الحوار والحلول الدبلوماسية، مؤكدةً أن غرينلاند جزء لا يتجزأ من المملكة الدنماركية. وشددت كوبنهاجن على ضرورة احترام القانون الدولي وعدم اللجوء إلى القوة في حل النزاعات.
الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية لغرينلاند
تعتبر غرينلاند منطقة ذات أهمية استراتيجية متزايدة، خاصةً مع ذوبان الجليد وتغير المناخ. فالجزيرة تقع في موقع حيوي يربط بين أوروبا وأمريكا الشمالية، وتتحكم في ممرات ملاحية هامة. بالإضافة إلى ذلك، تحتوي غرينلاند على احتياطيات كبيرة من المعادن النادرة، مثل التنتال والنيوبيوم، والتي تستخدم في صناعة الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر والمركبات الكهربائية. ويشكل الوصول إلى هذه الموارد هدفًا رئيسيًا للعديد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة وروسيا والصين.
وهناك أيضًا جانب يتعلق بالتنافس الجيوسياسي في منطقة القطب الشمالي. تسعى كل من الولايات المتحدة وروسيا والصين إلى تعزيز نفوذها في هذه المنطقة الغنية بالموارد. ويرى بعض المحللين أن محاولة الاستيلاء على غرينلاند قد تكون جزءًا من هذه المنافسة المتصاعدة. كما أن استكشاف وتعدين الموارد في القطب الشمالي قد يصبح نقطة توتر جديدة بين القوى الكبرى.
الاستثمارات في البنية التحتية وتطوير الموارد في غرينلاند تُعد أيضًا من القضايا التي تشغل بال الأطراف المعنية. تحتاج الجزيرة إلى تطوير مطارات وموانئ وطرق لكي تكون قادرة على استغلال مواردها بشكل كامل.
شمل الموقعين على المذكرة 4 سفراء أمريكيين سابقين لدى الناتو، و3 مساعدين سابقين لوزير الخارجية لشؤون أوروبا، و3 مسؤولين سابقين في البيت الأبيض لشؤون أوروبا. تظهر هذه المجموعة الواسعة من الخبراء مدى القلق بشأن هذه القضية.
من المتوقع أن تقوم وزارة الخارجية الأمريكية بمراجعة المذكرة وتقديم تقرير إلى البيت الأبيض في غضون الأسابيع القليلة القادمة. يبقى من غير الواضح ما إذا كانت الإدارة الأمريكية ستغير مسارها في هذه القضية، ولكن من المؤكد أن هذه المذكرة ستثير نقاشًا جادًا حول مستقبل العلاقات الأمريكية الدنماركية والمصالح الأمريكية في منطقة القطب الشمالي. مستقبل هذه المنطقة يظل غير مؤكد ويتوقف على تطورات جيوسياسية واقتصادية متعددة.





