فيلم “الرئيسيات”.. وهم السيطرة البشرية في سينما الرعب المعاصر

تلجأ سينما الرعب إلى الحيوانات حين تسعى إلى تجسيد الخوف في صورته النهائية، فمن فيلم “الفك المفترس” عام 1975 إلى “كوجو” عام 1993، يكرر هذا النوع طرح سؤاله المقلق: ماذا يحدث عندما يواجه الإنسان كارثة طبيعية لم يكن يتوقعها ولا يملك السيطرة عليها؟ فيلم “الرئيسيات” (Primate)، من إخراج يوهانس روبرتس، هو إضافة جديدة إلى هذا التقليد، ويقدم رؤية مقلقة لرعب الحيوانات في عصرنا الحديث.
عُرض الفيلم في دور السينما في 9 يناير/كانون الثاني 2026، ويقدم قصة عائلة تجد نفسها في مواجهة تهديد غير متوقع خلال عطلتها. يركز الفيلم على انهيار وهم الأمان والسيطرة، ويطرح أسئلة حول علاقة الإنسان بالطبيعة والحيوانات. يتميز الفيلم بأسلوبه المباشر وقصته المحكمة، مما جعله مفاجأة في شباك التذاكر في بداية العام.
العودة إلى الأساسيات في أفلام الرعب
يعد الشهر الأول من العام تقليديًا موسمًا لأفلام الرعب، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا ملحوظًا، مع تزايد حضور أفلام قصيرة نسبيًا تقوم على أفكار مبتكرة وتحقق مفاجآت في شباك التذاكر مع مطلع العام. يندرج فيلم “الرئيسيات” تمامًا ضمن هذا التوجه. ففي أقل من 90 دقيقة، يراهن الفيلم على الكفاءة بدلًا من الإسهاب، منسجمًا مع اتجاه سائد في صناعة السينما يفضل القصص المحكمة، والميزانيات الممكنة، والعناصر الجاذبة لتجربة العرض في الصالات.
والأهم أن فيلم روبرتس يأتي في سياق اهتمام متجدد بأفلام رعب “العودة إلى الأساسيات”، حيث يتخلى صناعها عن المبالغة التقنية والاستعراض البصري، ويعودون إلى جذور النوع من حيث البناء الدرامي والوظيفة النفسية. هذا الاتجاه يركز على خلق التوتر والإثارة من خلال عناصر بسيطة وفعالة، مثل الإضاءة والصوت والتصوير.
انحدار نحو الفوضى: قصة الفيلم
تدور قصة “الرئيسيات” حول عائلة تقضي عطلة في مكان معزول، يهدف إلى توفير الراحة والأمان. تقتني العائلة شمبانزيًا أليفًا، لكن الأمور تتغير بشكل مأساوي عندما يتعرض الحيوان لعضة تؤدي إلى إصابته بالسعار. يبدأ الشمبانزي بإظهار سلوكيات غريبة وعدوانية، مما يهدد حياة العائلة ويحول المنتجع السياحي إلى ساحة صيد مرعبة.
يتجنب روبرتس وشريكه في كتابة السيناريو تعقيد الحبكة، معتمدين أسلوب السرد الخطي البسيط. لا قصص خلفية متشابكة ولا مونولوجات تفسيرية مطولة. ينبع الرعب هنا من المساحات المشتركة، والأبواب المغلقة، والممرات الضيقة، ومن الإدراك المخيف بأن ما كان محل ثقة وألفة، تحول فجأة إلى تهديد قاتل.
وهم السيطرة والظروف غير المتوقعة
يركز الفيلم على فكرة وهم السيطرة الذي يعيشه الإنسان في العصر الحديث. تؤمن العائلة بأنها تستطيع ترويض الطبيعة والسيطرة عليها من خلال توفير بيئة آمنة ومريحة. لكن إصابة الشمبانزي بالسعار تكشف عن هشاشة هذا الاعتقاد، وتظهر أن هناك قوى خارجة عن سيطرة الإنسان يمكن أن تهدد حياته في أي لحظة. هذا الجانب من الفيلم يجعله أكثر من مجرد فيلم رعب تقليدي، فهو يقدم تعليقًا اجتماعيًا ونفسيًا حول مكانة الإنسان في العالم.
يستخدم الفيلم الصمت ببراعة، ويقطعه بحركات حيوانات مفاجئة، وأنفاس ثقيلة، وأصوات بيئية تزيد من الشعور بالقلق. الموسيقى التصويرية بسيطة، وتستخدم أساساً لتسليط الضوء على اللحظات الحاسمة عاطفياً بدلاً من فرض الخوف. هذا الأسلوب يمنح الفيلم واقعية مقلقة، ويجعل المشاهد يشعر وكأنه جزء من الأحداث.
التركيز على الجسدية والواقعية
يتميز الفيلم بالتركيز على الحضور الجسدي والواقعية. بدلاً من الاعتماد بشكل كبير على المؤثرات البصرية الحاسوبية، يستخدم الفيلم مؤثرات الأداء والحركة الجسدية لتصوير شخصية الشمبانزي المصاب. تسبب حركة الشمبانزي المستمرة قلقاً مستمراً ويولد مخاوف، إذ يبدو الخطر قريباً وذا ثقل. هذا القرار يمنح الشمبانزي واقعية مقلقة، ويجعله يبدو أكثر تهديدًا.
يتجنب المخرج يوهانس روبرتس المونتاج السريع، ويمنح المشاهد مساحة للتنفس، معتمداً على التشويق. تبقى الكاميرا على مستوى نظر المشاهد، جاعلة إياه جزءاً من المشهد. عندما يندلع العنف، يحدث ذلك فجأة، دون سابق إنذار موسيقي يذكر، مؤكداً على عنصر المفاجأة. هذا الأسلوب يمنح الفيلم إحساسًا بالواقعية والتوتر المستمر.
بشكل عام، يقدم فيلم “الرئيسيات” تجربة رعب مختلفة ومثيرة للتفكير. إنه فيلم لا يعتمد على الصدمات البصرية الرخيصة، بل على خلق التوتر والإثارة من خلال قصة محكمة وأداء قوي وإخراج متقن. كما أنه فيلم يطرح أسئلة مهمة حول علاقة الإنسان بالطبيعة والحيوانات، وهم السيطرة الذي يعيشه الإنسان في العصر الحديث.
من المتوقع أن يتم تحليل أداء الفيلم في شباك التذاكر خلال الأسابيع القادمة، لتحديد ما إذا كان يمثل بداية اتجاه جديد في أفلام الرعب. كما سيتم متابعة ردود فعل النقاد والجمهور، لتقييم تأثير الفيلم على صناعة السينما. يبقى أن نرى ما إذا كان “الرئيسيات” سيؤثر على الأفلام القادمة في هذا النوع، ويشجع صناع الأفلام على العودة إلى الأساسيات والتركيز على الجودة والابتكار.





