مطالب الانفصال في اليمن.. الجذور التاريخية وتعقيدات الأزمة الراهنة

أعادت التطورات الأخيرة في اليمن، وتحديداً سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على محافظتي حضرموت والمهرة، قضية انفصال جنوب اليمن إلى الواجهة بقوة. هذه الأحداث المتسارعة تثير مخاوف جدية بشأن وحدة البلاد واستقرارها، وتضع المنطقة أمام تحديات جديدة. وتأتي هذه التطورات في ظل صراع معقد يشمل أطرافاً إقليمية ودولية، مما يزيد من صعوبة إيجاد حلول مستدامة للأزمة اليمنية.
شهدت محافظة حضرموت والمهرة تصعيداً عسكرياً في مطلع ديسمبر 2023، حيث أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي السيطرة على مناطق واسعة في المحافظتين، بما في ذلك مطار الغيضة في المهرة ومطار المكلا في حضرموت. وقد أثارت هذه الخطوة ردود فعل قوية من الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، التي اتهمت المجلس الانتقالي بالتمرد وتقويض جهود السلام.
ما قبل الدولة
لم يكن اليمن طوال تاريخه دولة واحدة موحدة. ففي القرن التاسع عشر، خضع جنوب اليمن للحكم البريطاني، بينما كان شمال اليمن تحت النفوذ العثماني. هذا الانقسام التاريخي أدى إلى نشوء هويتين منفصلتين وتوجهات سياسية مختلفة في شطري البلاد.
استمر هذا الوضع حتى منتصف القرن العشرين، حيث نال جنوب اليمن استقلاله عام 1967 بعد صراع طويل مع بريطانيا، وأُعلن عن قيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ذات التوجه الاشتراكي. بينما بقي شمال اليمن تحت حكم الإمام يحيى حميد الدين ثم ابنه الإمام أحمد، حتى قيام ثورة 26 سبتمبر 1962 التي أطاحت بالنظام الملكي وأعلنت الجمهورية العربية اليمنية.
إعلان الوحدة 1990
في عام 1990، اتحد شمال اليمن وجنوبه لتشكيل الجمهورية اليمنية، في خطوة كانت تهدف إلى تحقيق الاستقرار والوحدة الوطنية. ومع ذلك، لم تدم الوحدة طويلاً، حيث اندلعت حرب أهلية في عام 1994 بين القوات الموالية للرئيس علي عبد الله صالح والقوات الجنوبية التي كانت تطالب بمزيد من الحكم الذاتي.
انتهت الحرب بانتصار قوات صالح، لكنها تركت ندوباً عميقة في المجتمع اليمني، وأدت إلى تهميش الجنوبيين واستبعادهم من السلطة والمناصب الحكومية. هذا التهميش ساهم في تصاعد الحراك الجنوبي المطالب بالانفصال أو بالحد الأدنى بالحكم الذاتي.
الحراك الجنوبي
بدأ الحراك الجنوبي في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وتصاعدت مطالبته بالانفصال أو بالحكم الذاتي الموسع. وقد نظم الحراك الجنوبي العديد من المظاهرات والاحتجاجات، وطالب بإعادة دولة الجنوب المستقلة.
في عام 2017، تأسس المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو كيان سياسي وعسكري يهدف إلى تحقيق استقلال جنوب اليمن. وقد حصل المجلس الانتقالي على دعم من دولة الإمارات العربية المتحدة، التي قدمت له الدعم المالي والعسكري.
المجلس الانتقالي الجنوبي وتصعيد الأزمة
سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على حضرموت والمهرة تمثل تصعيداً خطيراً في الأزمة اليمنية. وقد أثارت هذه الخطوة ردود فعل قوية من الحكومة اليمنية، التي اتهمت المجلس الانتقالي بالتمرد وتقويض جهود السلام. كما أدان المجتمع الدولي هذه الخطوة، وحث المجلس الانتقالي على التراجع عنها والعودة إلى طاولة المفاوضات.
وقد فرضت الحكومة اليمنية حظراً جوياً وبحرياً على المناطق التي يسيطر عليها المجلس الانتقالي، وأعلنت حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد. كما طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بسحب القوات الإماراتية من الأراضي اليمنية، متهماً إياها بدعم المجلس الانتقالي.
تداعيات سياسية واقتصادية
تداعيات سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على حضرموت والمهرة تمتد إلى ما هو أبعد من الأبعاد السياسية والعسكرية. فالمحافظتان تمتلكان ثروات طبيعية كبيرة، بما في ذلك النفط والغاز، وسيطرة المجلس الانتقالي عليهما قد تؤثر على الاقتصاد اليمني بشكل عام.
بالإضافة إلى ذلك، فإن سيطرة المجلس الانتقالي على حضرموت والمهرة قد تؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن، حيث يعاني الملايين من اليمنيين من نقص الغذاء والدواء والمياه.
أزمة متصاعدة
الوضع في اليمن يشهد تصاعداً خطيراً، مع استمرار التوتر بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي. وقد أدت سيطرة المجلس الانتقالي على حضرموت والمهرة إلى تعقيد المشهد اليمني، وزادت من صعوبة إيجاد حلول للأزمة. من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة مزيداً من التطورات، مع احتمال نشوب مواجهات عسكرية جديدة بين الأطراف المتنازعة. انفصال جنوب اليمن يبدو الآن أكثر احتمالاً من أي وقت مضى.
من المقرر أن يعقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً طارئاً لمناقشة الوضع في اليمن، وقد يصدر بياناً يدعو إلى وقف التصعيد والعودة إلى المفاوضات. ومع ذلك، يبقى مستقبل اليمن مجهولاً، ويتوقف على قدرة الأطراف اليمنية والإقليمية والدولية على إيجاد حلول سياسية للأزمة.





