Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
سياسة

مقال بمجلة فورين أفيرز: ماذا تعني حرب إيران بالنسبة للصين؟

تجد الصين نفسها أمام مفترق طرق استراتيجي دقيق مع تصاعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حيث تتأثر استراتيجيتها العالمية بالتغيرات في ميزان القوى والنظام الدولي. تسعى بكين جاهدة لتحقيق توازن بين الاستفادة من تراجع قوة الولايات المتحدة والحفاظ على استقرار النظام العالمي الذي يعتمد عليه اقتصادها.

تُظهر الحرب في إيران بوضوح الاستراتيجية الصينية القائمة على الحذر، حيث تتجنب بكين التدخل العسكري المباشر، مع التركيز على الدبلوماسية والدعوات لوقف إطلاق النار. هذا النهج ليس نابعًا من اللامبالاة، بل من رغبة في حماية النظام العالمي الذي يشكل أساس اقتصادها المعتمد على التصدير.

استراتيجية قائمة على الحذر

تشير الباحثة زونغيوان زوي ليو، المتخصصة في دراسات الصين بمجلس العلاقات الخارجية، إلى أن الحرب في إيران تكشف عن استراتيجية بكين الحذرة. فبينما قد تبدو الولايات المتحدة أضعف وأقل قدرة على التحكم في النظام الدولي، إلا أنها أصبحت أيضًا أكثر تقلباً وغير متوقعة، مما يزيد من المخاطر على الاستقرار الذي تعتمد عليه الصين.

تخشى بكين تقلبات واشنطن أكثر من قوتها. فمنذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض عام 2025، أصبحت الولايات المتحدة أقل ثقة في أهدافها العالمية، وأقل التزامًا بالنظام القائم على القواعد. وهذا الضعف، مع زيادة تقلبها، يضع الصين أمام تحدٍ مزدوج.

ترى ليو أن القادة الصينيين يريدون الولايات المتحدة قوية بما يكفي للحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي، لكنهم في نفس الوقت يريدونها عاجزة عن تشكيل النظام الدولي بطريقة تعيق صعود الصين. هذا التناقض هو جوهر المعضلة الصينية الحالية.

تعتمد الصين بشكل كبير على الشروط التي يوفرها النظام العالمي الحالي، والذي أنشأته وحافظت عليه الولايات المتحدة. تشمل هذه الشروط الممرات البحرية المفتوحة، والأسواق المتنامية، والمؤسسات متعددة الأطراف. وعلى الرغم من سعيها لزيادة الاعتماد على الذات، فإن الصين لا تسعى للانفصال عن النظام العالمي، بل تستفيد تدريجياً من قوتها الاقتصادية وتأثيرها السياسي.

أدوات اقتصادية متقدمة

لتجنب تداعيات الحرب على إيران، طورت بكين أدوات اقتصادية متقدمة. تشمل هذه الأدوات الاستفادة من سوقها المحلي، والهيمنة على سلاسل التوريد للمعادن النادرة، وعقد اتفاقيات استثمارية وقروض. كما تستخدم أدوات الضغط مثل القيود على التصدير والعقوبات.

ومع ذلك، فإن هذه الأدوات تعتمد على افتراض أن النظام الدولي سيظل مستقراً ويحكمه القانون بدلاً من القوة العسكرية. التحركات العسكرية الأخيرة لواشنطن في فنزويلا وإيران، التي تمت دون مراعاة للعواقب الاقتصادية أو القانون الدولي، تشير إلى أن النظام العالمي الذي اعتادت الصين على استغلاله قد ينهار.

إذا كان تراجع القوة الأمريكية مجرد ضعف، فقد تغري الصين بالتحرك بسرعة لتعزيز موقعها. ولكن إذا اتخذ هذا التراجع شكل إكراه اقتصادي متصاعد وانهيار لقواعد التجارة والمؤسسات العالمية، فقد تجد بكين نفسها في موقف دفاعي.

يرى الكثيرون في واشنطن أن المغامرة العسكرية في الشرق الأوسط تمثل هدية استراتيجية للصين، تمنحها حرية أكبر في آسيا. لكن القيادة الصينية لا تعتبر الأزمة لعبة صفرية، وتعتقد أن كلا من واشنطن وبكين ستتأثران بالتداعيات الجيوسياسية والاقتصادية للحرب.

حسابات تايوان

تطبق القيادة الصينية نفس الحسابات الدقيقة على ملف جزيرة تايوان. فبينما قد يخلق تشتت الولايات المتحدة فرصة عسكرية أو سياسية، فإن السؤال الأهم لدى بكين هو: ما نوع الولايات المتحدة التي ستواجهها في الجزيرة؟

يمثل ملف تايوان اختبارًا آخر لسياسة الصين الحذرة. فالقيادة الصينية تدرك أن مواجهة أمريكا أقل استقرارًا وأكثر ميلاً لاستخدام القوة قد تكون أخطر من مواجهة أمريكا قوية ومستقرة. لذلك، تحسب بكين خطواتها بعناية بناءً على تقدير طبيعة واشنطن في أي مواجهة.

ما يميز السياسة الصينية حاليًا هو التركيز على الاستقرار والحذر. تسعى الصين للصعود اقتصاديًا وجيوسياسيًا تدريجيًا، مع محاولة البقاء ضمن نظام عالمي يسمح لها بالعمل بشروط مواتية، مع تجنب مخاطر الفوضى الأمريكية المتزايدة.

تكمن المفارقة الكبرى في أن بكين حصلت على ما أرادته، وهو الولايات المتحدة أقل قدرة وثقة، لكنها تواجه عالمًا أكثر تقلبًا وفوضى. هذا الوضع يجعل كل خطوة يجب أن تُحسب بعناية فائقة.

ماذا بعد؟ تستمر الحرب في إيران في التأثير على الاستراتيجية الصينية، مما يدفع بكين إلى مزيد من الحذر في حساباتها الإستراتيجية. التطورات المستقبلية في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى ديناميكيات العلاقات الأمريكية الصينية، ستكون محورية في تحديد مسار السياسة العالمية للصين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى