Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
دولي

من غزة إلى الضفة.. فلسطينيون يوثقون معاناتهم بالرسومات والألوان

تتشابه أحوال الشعب الفلسطيني وآلامه سواء كان داخل خيمة نزوح في قطاع غزة، أو مخيم للاجئين في الضفة الغربية. ففي ظل استمرار التحديات والصعوبات، يجد الفلسطينيون في الفن والإبداع وسيلة للتعبير عن معاناتهم وتوثيق تاريخهم، وهو ما يتجلى في أعمال فنانين وناشطين يستخدمون الرسم والنحت لرفع أصواتهم في وجه الظروف القاسية. هذا التعبير الفني يلعب دوراً هاماً في الحفاظ على الهوية الفلسطينية وتعزيز الصمود.

ففي قطاع غزة، لم تجد الطفلة نازحة سارة سعدة (15 عاماً) سوى الرسم وسيلة للتعبير عما عانته من آلام نتيجة الحرب المستمرة، بينما في مخيم عايدة للاجئين في بيت لحم، حول الفنان عبد الله حمّاد مآسي سكان المخيم إلى لوحات جدارية تحكي قصص الصمود والثبات. هذه الأمثلة تعكس كيف أصبح الفن جزءاً لا يتجزأ من حياة الفلسطينيين، ونافذة يطلون منها على العالم.

الحرب والنزوح وتأثيرها على الإبداع الفني

وعلى وقع النزوح المتكرر والخوف الذي رافق الحرب على قطاع غزة، حولت الطفلة سارة سعدة هوايتها في الرسم إلى وسيلة لتفريغ الضغط النفسي وتوثيق ما رأته بعينيها من مجازر ووقائع مؤلمة. وقالت سارة في حديث مع الجزيرة مباشر إنها تنقلت مع أسرتها من بيت لاهيا شمالي القطاع، إلى أكثر من منطقة منذ اندلاع الحرب، وأن الرسم أصبح ملاذها الآمن.

وأضافت: “منذ بداية الحرب لم تكن هناك مدارس، وشعرت بأن عليّ أن أقضي وقتي في شيء أحبه، بدأت أطور نفسي في الرسم لأُخرج ما بداخلي من خوف وألم”. سارة حوّلت خيمتها إلى مساحة تجمع بين الدراسة الذاتية وممارسة شغفها الفني، معتبرة أن اللوحات أصبحت طريقتها في الاستمرار وإيصال صوت أبناء شعبها إلى العالم.

وترى سارة أن الرسم أصبح رسالة، وسعت من خلال أعمالها إلى نقل تفاصيل الحياة اليومية تحت القصف والجوع والنزوح. ومن بين رسوماتها، لفتت انتباهها لوحة للمقررة الأممية المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي، واعتبرتها من أقرب الأعمال إلى قلبها، لاهتمامها بقضاياهم.

تأثير الصدمات على الفن

لم تخلُ تجربة سارة من مشاهد صادمة تركت أثراً عميقاً في ذاكرتها، وحولته لاحقاً إلى عمل فني. وقالت للجزيرة مباشر: “أكثر مشهد أثّر فيّ كان لطفل ينتظر الطعام عند إحدى التكايا، لكنه سقط عليه الطعام الساخن، فاحترق وتشوه. رسمت هذا المشهد لأخبر العالم بما نعيشه”. وتؤكد سارة أن لوحاتها لو استطاعت التحدث “لصرخت من شدة الألم الذي نعيشه في قطاع غزة”.

الفن كأداة للمقاومة والتوثيق في مخيم عايدة

وفي الضفة الغربية، قرر الفنان عبد الله حمّاد، ابن مخيم عايدة للاجئين في بيت لحم، أن يجعل من فنه “صوتاً لمن تُصمت حكاياتهم”، مؤكداً أن الإبداع مستمر رغم المأساة. رحلة حماد تحت قيود الاحتلال كانت قاسية، حيث اعتُقل 4 مرات إدارياً دون أي تهم رسمية، بدأت الاعتقالات عام 2013، وآخرها في عام 2023.

وأشار حماد إلى أن الاعتقال كان تجربة قاسية نفسياً وجسدياً، من حيث العزلة وفقدان الإحساس بالوقت والحرمان من أبسط التفاصيل اليومية. لكنه أكد أن هذه التجربة لم تثنه عن مواصلة فنه، بل زادت من إصراره على التعبير عن معاناة شعبه.

ومن أبرز أعمال حماد لوحة نقش خشبي تُظهر معاناة أطفال مخيم عايدة، بعد أن قرر الاحتلال هدم ملعب كرة القدم الوحيد في المخيم. وأراد الفنان أن يوصل للعالم رسالة مفادها أن حتى الترفيه واللعب حق لا يناله الأطفال الفلسطينيون بسبب الاحتلال. كما رسم جداريات تروي حكايات شعب المخيم، من بينها جدارية للحاجة مزيونة، التي يصفها الفنان بأنها “رمز للصمود والمثابرة”.

دور الفن في الحفاظ على الذاكرة الفلسطينية

تعتبر أعمال حماد وسيلة لتوثيق تاريخ المخيم وحفظ ذاكرة سكانه، خاصةً مع التحديات التي تواجههم في الحفاظ على هويتهم وثقافتهم. الفن هنا ليس مجرد تعبير عن الجمال، بل هو أداة للمقاومة والتشبث بالأرض والهوية.

اليوم، يواصل عبد الله حماد عمله من ورشته، مؤكداً أن الجدران قد تُبنى وأن الناس قد يُعتقلون، لكن روح الإبداع الفلسطيني تبقى عصيّة على القيد. سارة أيضاً تطمح إلى أن تصبح فنانة تشكيلية معروفة، وأن تُعرض لوحاتها في معارض دولية لنقل أصوات أطفال غزة، وأن يرى العالم أن الشعب الفلسطيني “يستحق الحياة”.

من المتوقع أن يستمر الفنانون الفلسطينيون في استخدام فنهم كأداة للتعبير عن معاناتهم وتوثيق تاريخهم، ورفع أصواتهم في وجه الظروف القاسية. مع استمرار التحديات السياسية والاقتصادية، سيبقى الإبداع الفني جزءاً أساسياً من الهوية الفلسطينية، ووسيلة للصمود والأمل. يجب متابعة تطورات المشهد الفني الفلسطيني، ودعم الفنانين الذين يسعون إلى إيصال رسالتهم إلى العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى