نقاط الخلاف بين الحكومة والمعارضة في تركيا بشأن ملف “قسد”

أنقرة – عادت قضية شمال شرق سوريا لتتصدر المشهد السياسي في تركيا، كاشفة عن انقسامات داخلية حول أفضل طريقة للتعامل مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد). هذا الملف السوري المعقد يثير جدلاً واسعاً حول مستقبل المنطقة وأمن تركيا القومي، ويشكل تحدياً كبيراً للسياسة الخارجية التركية.
بينما ترفض المعارضة التركية التصعيد العسكري وتدعو إلى إعطاء الأولوية للدبلوماسية وتفعيل اتفاق 10 مارس/آذار المبرم مع دمشق، يلوح تحالف الشعب الحاكم بخيارات أكثر صرامة، معتبراً أن تأخر “قسد” في تنفيذ الاتفاق يهدد صبر أنقرة ويضع أمنها القومي على المحك. هذا التباين في الرؤى يعكس تعقيد الملف السوري وتعدد الأطراف المتداخلة فيه.
الوضع في شمال شرق سوريا: نظرة عامة
يشهد شمال شرق سوريا وضعاً متأزماً منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011. تتهم تركيا قوات سوريا الديمقراطية بأنها امتداد لمجموعات مسلحة تعتبرها تهديداً لأمنها القومي، بينما تعتبر “قسد” قوة أساسية في مكافحة الإرهاب والحفاظ على الاستقرار في المنطقة. الاتفاق الروسي التركي حول شمال سوريا، والذي تم التوصل إليه في 2019، يهدف إلى تجنب المواجهة المباشرة بين الجانبين، لكن تنفيذه يشوبه الغموض والتأخير.
رفض التصعيد والدعوة إلى الحوار
جدد أوزغور أوزيل، زعيم حزب الشعب الجمهوري، دعوته إلى الالتزام بمسار تنفيذ اتفاق 10 مارس/آذار، مشدداً على ضرورة بلورة خريطة طريق واضحة تحدد الخطوات اللازمة لتحقيق الاستقرار في المنطقة. يعتقد أوزيل أن الحلول العسكرية ليست مستدامة، وأن الحوار والتفاوض هما السبيل الوحيد لحل النزاعات.
وطالب سيزغين تانري كولو، نائب رئيس الحزب، بتنشيط القنوات الدبلوماسية، مؤكداً أن هذا هو الخيار الأجدى والأكثر استدامة لضمان أمن تركيا على المدى الطويل. واعتبر أن الفرص المتاحة لمعالجة القضايا العالقة، مثل القضية الكردية، يجب استغلالها قبل فوات الأوان.
تحذيرات من خيارات عسكرية
في المقابل، يرى تحالف الشعب الحاكم أن صبر تركيا بدأ ينفد بسبب مماطلة “قسد” في تنفيذ اتفاق 10 مارس/آذار. حذر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان من أن بلاده قد تضطر إلى اتخاذ إجراءات عسكرية عبر الحدود إذا لم تلتزم “قسد” بتعهداتها، مشدداً على أن أمن تركيا خط أحمر.
وقد صرح دولت بهتشلي، زعيم الحركة القومية، أن استمرار الوضع القائم يشكل تهديداً مباشراً لأمن تركيا القومي، وأن أنقرة لن تتهاون في حماية مصالحها. واعتبر أن من مصلحة الجميع أن تندمج “قسد” ضمن الدولة السورية، وأن تتخلى عن أي أجندات خارجية.
الخيارات التركية في شمال سوريا
يرى محللون أن تركيا أمام عدة خيارات للتعامل مع الوضع في شمال شرق سوريا. أحد هذه الخيارات هو الاستمرار في الضغط الدبلوماسي والأمني على “قسد”، وتشجيع الحكومة السورية على توسيع سيطرتها في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن لتركيا أن تعتمد سياسة الاحتواء من خلال ضربات دقيقة تستهدف القيادات المسلحة ومخازن الأسلحة التابعة لـ”قسد”.
على الرغم من هذه الخيارات، يبقى الخيار العسكري واسع النطاق هو الأكثر تكلفة والأكثر خطورة، حيث يمكن أن يؤدي إلى تصعيد الصراع وانجرار أطراف إقليمية ودولية أخرى. ولهذا السبب، تسعى أنقرة إلى تجنب هذا الخيار قدر الإمكان، وتفضل التركيز على الحلول الدبلوماسية والأمنية المحدودة.
تأثير العلاقات السورية التركية
يعد الاتفاق مع دمشق عنصراً محورياً في أي معالجة للملف السوري. تراهن أنقرة على إمكانية استخدام ورقة التقارب مع النظام السوري للضغط على “قسد” وإقناعها بالاندماج في الدولة السورية، أو على الأقل، بالتخلي عن أي مطالب انفصالية.
مستقبل العلاقات التركية السورية وقوات سوريا الديمقراطية
من المتوقع أن تستمر المفاوضات بين تركيا وروسيا وسوريا بشأن مستقبل شمال شرق سوريا. يبقى مصير قوات سوريا الديمقراطية هو القضية الرئيسية التي ستحدد مسار هذه المفاوضات. تشير التقديرات إلى أن أنقرة ستواصل الضغط على “قسد” لحين تنفيذ اتفاق 10 مارس/آذار بشكل كامل وواضح. إلا أن نجاح هذه المساعي يعتمد على مدى استعداد الأطراف المعنية لتقديم تنازلات وتبني حلول وسط. من المهم متابعة تطورات الحوار بين تركيا وسوريا ومواقف القوى الإقليمية والدولية المعنية بالقضية السورية.





