هل انتهت فرص التفاوض بين الحكومة السورية و”قسد”؟

تصاعدت التوترات في الشمال السوري مع استمرار العمليات العسكرية في مناطق دير حافر ومسكنة بريف حلب، مما أثار جدلاً واسعاً حول مستقبل الإدارة والسيطرة في المنطقة. يرى محللون أن هذه التطورات تمثل جزءاً من مساعي الدولة السورية لاستعادة الأراضي وتوحيدها، بينما يثير البعض مخاوف بشأن تطبيق نموذج مركزي للإدارة قد لا يراعي التنوع السوري. الوضع في حلب يمثل تحدياً كبيراً لـ قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ومستقبلها السياسي والعسكري.
أكد الكاتب والباحث السياسي عبد المنعم زين الدين أن ما يحدث هو “الوضع الطبيعي” في سياق استعادة الدولة السورية لأراضيها، مشيراً إلى أن بقاء أي منطقة خارج السيطرة الحكومية يعتبر “الحالة غير الطبيعية”. وأضاف أن الجيش السوري منح فرصة طويلة للحوار لتجنب إراقة الدماء، لكن ذلك لم يمنع اللجوء إلى الحل العسكري الذي أثبت فعاليته في مناطق أخرى من حلب. هذه العمليات العسكرية تأتي في ظل تدهور الأوضاع الإنسانية وتزايد تدفق النازحين.
مخاوف من المركزية وتأثيرها على مستقبل سوريا
يرى مراقبون أن المخاوف من تطبيق نموذج مركزي للإدارة في سوريا تزداد، خاصةً بعد التصريحات الأخيرة التي تشير إلى رغبة الحكومة في فرض سلطتها على كافة الأراضي السورية. هذا النهج يثير قلق الأطراف المحلية التي تسعى إلى تحقيق نوع من الحكم الذاتي أو اللامركزية.
ردود فعل قسد والاتهامات المتبادلة
في المقابل، يرى الصحفي دليار جزيري أن قسد التزمت باتفاق الأول من أبريل/نيسان الماضي بالانسحاب من بعض المناطق، بينما لم يلتزم الجيش السوري ببنود الاتفاق المقابلة. وأضاف أن قسد ترفض “العقلية المركزية” التي يتبناها النظام السوري، والتي قد لا تراعي التنوع العرقي والديني في البلاد. كما اتهم قسد بتفجير الجسور وفرض إتاوات على المدنيين الفارين.
من جهته، رد زين الدين على هذه الاتهامات مؤكداً أن الجيش السوري لجأ إلى الحسم العسكري بعد فشل جميع محاولات الحوار، وأن قسد نكثت باتفاق “العاشر من آذار” واستمرت في أنشطة تهدد الأمن. وأشار إلى أن النازحين يتوجهون إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة وليس إلى مناطق قسد، مما يدل على ثقتهم بالحكومة.
التأثيرات الإقليمية والدولية
تأتي هذه التطورات في سياق إقليمي ودولي معقد، حيث تتداخل مصالح العديد من الأطراف. تعتبر قضية سوريا الديمقراطية من القضايا الشائكة التي تؤثر على العلاقات بين الدول المعنية. كما أن تدخل القوى الخارجية في الشأن السوري يزيد من تعقيد الوضع ويصعب التوصل إلى حلول مستدامة.
يرى خبراء أن استمرار العمليات العسكرية قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية وزيادة عدد النازحين. كما أن عدم التوصل إلى حل سياسي شامل قد يؤدي إلى استمرار حالة عدم الاستقرار في المنطقة. الوضع الأمني في الشمال السوري يتطلب جهوداً دولية مكثفة للتوصل إلى حلول تضمن السلام والاستقرار.
مستقبل المفاوضات والوساطات
أكد زين الدين انفتاح الحكومة على الوساطات الدولية التي تضمن السلام، بينما يرى جزيري أن قسد لن تعود إلى المفاوضات ما لم تغير الحكومة السورية موقفها. وأضاف أن قسد ستلجأ إلى مفاوضات جادة فقط في حال وجود ضمانات دولية حقيقية تحمي حقوق المكونات السورية. هذه الشروط تعكس حالة عدم الثقة المتبادلة بين الطرفين.
في الختام، من المتوقع أن يستمر التوتر في الشمال السوري خلال الفترة القادمة، مع احتمال استمرار العمليات العسكرية وتصاعد حدة الصراع. يبقى مستقبل المفاوضات والوساطات غير واضح، ويتوقف على مدى استعداد الأطراف المعنية لتقديم تنازلات وتحقيق مصالحة وطنية. من الضروري مراقبة التطورات على الأرض وتقييم تأثيرها على الوضع الإنساني والأمني في المنطقة، مع الأخذ في الاعتبار الدور المحتمل للجهات الفاعلة الإقليمية والدولية في تشكيل مستقبل سوريا. الوضع يتطلب حلاً سياسياً شاملاً يراعي مصالح كافة الأطراف ويضمن الاستقرار الدائم.





