هل انكسر النظام الاقتصادي العالمي في 2025؟

يشهد الاقتصاد العالمي في سياقاته الكلية محطات قد تبدو دورية، إلا أنها تحمل في طياتها بذور تحولات بنيوية عميقة. يرى خبراء ومتخذو قرار متزايدون أن عام 2025 يمثل منعطفاً استثنائياً في مسار الاقتصاد العالمي، وذلك نتيجة لتزامن عوامل اقتصادية وتقنية وبيئية غير مسبوقة، مما يثير تساؤلات حول مستقبل الاقتصاد العالمي وهل بدأت منظومته في التآكل؟
خريطة جديدة للقوة الاقتصادية في عام 2025
يشير الباحث تشارلز فنغر في مؤلفه “الاتجاهات العالمية 2025: عالم متحوّل” إلى أن العالم يتجه نحو نظام اقتصادي متعدد الأقطاب، متجاوزاً مرحلة التفوق الغربي لصالح توزيع أكثر توازناً للقوة بين الشمال والجنوب، وبين الشرق والغرب. تتجلى هذه الرؤية في مؤشرات عام 2025، حيث تشهد الهند نمواً متسارعاً يقربها من تجاوز كل من اليابان وألمانيا من حيث الناتج المحلي الإجمالي الاسمي.
وقد تُصبح الهند، بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي ووكالات التصنيف الاقتصادي، ثالث أكبر اقتصاد عالمي مطلع عام 2026 إذا استمرت الاتجاهات الحالية في النمو والتضخم وأسعار الصرف. يعزى هذا التغيير إلى ارتفاع معدلات النمو في الهند، بالتزامن مع تباطؤ ملحوظ في اليابان وألمانيا، بسبب عوامل ديموغرافية ونقدية وهيكلية معقدة.
بالإضافة إلى ذلك، بدأت تكتلات ناشئة مثل رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) والاتحاد الأفريقي بإعادة تشكيل قواعد التجارة الإقليمية، بعيداً عن الهيمنة التقليدية للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وتؤكد الأرقام الصادرة في عام 2025 أن الاقتصادات الناشئة تمثل الآن أكثر من نصف الاقتصاد العالمي.
الذكاء الاصطناعي والثورة الإنتاجية الثانية
شهد عام 2025 طفرة استثمارية غير مسبوقة في قطاع الذكاء الاصطناعي، حيث قدرت القيمة السوقية لشركة أنثروبيك بحوالي 380 مليار دولار أمريكي. ويشير هذا الرقم، وفقاً للباحث كولين مانياتا في ورقة بحثية صادرة عن جامعة ميونخ، إلى تحول بنيوي في الاقتصاد الإنتاجي، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي ومعه الخوارزميات والبيانات الضخمة المورد الرئيسي للثروة.
وبحسب مجلة “ذي إيكونوميست”، فإن هذه الثورة التكنولوجية ولّدت زيادات ملموسة في إنتاجية العمل، خاصة في القطاعات التي كانت تعتبر محصنة ضد الأتمتة مثل القانون والتعليم والتصميم الهندسي. هذا التطور يعزز أهمية الاستثمار في التكنولوجيا المالية وتطويرها.
التغيرات المناخية تعيد تعريف النمو الاقتصادي
أصبح تأثير التغيرات المناخية واضحاً بشكل متزايد على الاقتصاد العالمي في عام 2025. في قمة مجموعة العشرين التي انعقدت بالبرازيل، تم الإعلان عن اتفاق جديد، “بريتون وودز الأخضر”، يلتزم بتحويل الأنظمة المالية نحو الاستثمار الأخضر ومساءلة المؤسسات المالية عن انبعاثاتها. هذا الاتجاه يعكس وعياً متزايداً بأهمية الاستدامة البيئية في تحقيق النمو الاقتصادي على المدى الطويل
وتؤكد دراسة حديثة أن مفهوم الاستقرار الاقتصادي لم يعد ينفصل عن تحديات المناخ، حيث أصبحت 78% من الموازنات الحكومية حول العالم تتضمن سياسات مناخية ملزمة. كما أن انتشار العملات الرقمية الحكومية يمثل أيضاً تحولاً في المشهد المالي العالمي، حيث تمثل هذه العملات 15% من عمليات التسوية الدولية.
العولمة تتفتت.. نحو عالم أكثر إقليمية؟
يشهد نظام العولمة تحولاً نحو مزيد من الإقليمية والتكتلات الاقتصادية. أظهرت دراسات علمية أن صعود الصين والتحالفات التجارية الجديدة في آسيا وأفريقيا تعيد تشكيل النظام التجاري العالمي. بالتزامن مع ذلك، عزز الاتحاد الأفريقي مبادرة “اتفاقية التجارة الحرة القارية”، مما يشير إلى إعادة تشكيل القواعد التجارية بعيداً عن الهيمنة التقليدية.
ويؤكد الباحثون أن هذه التغيرات ليست نهاية العولمة، بل هي إعادة صياغة مبنية على اعتبارات الأمن القومي والسيادة التكنولوجية. وقد أدت الأزمات المتتالية إلى تبني العديد من الدول لسياسات حمائية تهدف إلى تأمين القطاعات الاستراتيجية.
هل نحن بصدد زمن اقتصادي جديد؟
يبدو أن عام 2025 يمثل بداية مرحلة جديدة في الاقتصاد العالمي، تتميز بتشابك الأزمات وتفكك النماذج التقليدية. ويتطلب هذا الوضع إعادة التفكير في الأولويات الاقتصادية، مع التركيز على الجدوى والعدالة والبقاء.
يشير الخبراء إلى أن هذا التحول يمثل تحدياً وفرصة في آن واحد، حيث يتطلب تعزيز التعاون الدولي وإيجاد حلول مبتكرة للتحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي. ومن المتوقع أن تشهد الأشهر والسنوات القادمة مزيداً من التطورات والتغيرات، خاصة فيما يتعلق بالسياسات النقدية والمالية، والتجارة الدولية، والاستثمار في التكنولوجيا النظيفة، مما يستدعي متابعة دقيقة لمستجدات الاقتصاد العالمي ومؤشراته.





