هل يكفي تغيير رئيس “المركزي” لإنقاذ الاقتصاد الإيراني؟

في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وتراجع قيمة العملة الوطنية، عينت السلطات الإيرانية عبد الناصر همتي حاكماً جديداً لمصرف إيران المركزي. يأتي هذا التعيين في وقت حرج يشهد البلاد ارتفاعاً كبيراً في معدلات التضخم وتوترات متزايدة في سوق صرف الريال الإيراني، بالإضافة إلى احتجاجات شعبية بدأت في طهران وامتدت إلى محافظات أخرى، مما يعكس حالة القلق المتصاعدة بشأن الوضع المعيشي.
وفي أول تصريحات له بعد توليه المنصب، أكد همتي أن ضبط التضخم سيكون على رأس أولوياته، متعهداً باتخاذ إجراءات حاسمة لمعالجة الخلل في النظام المصرفي. وأشار إلى أنه يسعى لعودة الاستقرار إلى الاقتصاد الإيراني، وأن المواطنين سيبدأون بملاحظة تحسن المؤشرات قريباً.
سوق صرف الريال الإيراني: التحديات والتوجهات الجديدة
أرجع همتي التوترات الحالية في سوق الصرف إلى عدة عوامل رئيسية، من بينها وجود أسعار صرف متعددة، وانتشار الممارسات الريعية والفساد، والمضاربات غير المشروعة. وأكد أن هذه العوامل أضعفت الثقة بالريال الإيراني وساهمت في تسارع وتيرة تراجعه.
وتهدف خطة البنك المركزي، وفقاً لتصريحات همتي، إلى الإلغاء التدريجي للعملة التفضيلية وتوحيد سعر الصرف. وتسعى هذه الخطوة إلى تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الحرة، والحد من فرص المضاربة، وبالتالي استعادة الاستقرار النقدي.
إضافة إلى ذلك، يركز البنك المركزي على تشديد الرقابة على النظام المصرفي وضبط السيولة، بهدف الحد من الضغوط التضخمية. وفي الوقت نفسه، أكد همتي دعمه لسوق الأوراق المالية والبورصة، معتبراً إياها وسيلة لتنظيم تدفق السيولة وتخفيف الضغط على سوق العملات الأجنبية.
العلاقة مع البرلمان والتوجه نحو الشفافية
أشار همتي إلى أهمية التشاور مع البرلمان الإيراني، لكنه شدد على ضرورة أن تستند إدارة القضايا الاقتصادية إلى أسس اقتصادية وخبرة مهنية، مع الأخذ في الاعتبار الظروف الخاصة التي تمر بها البلاد. وأوضح أن القرارات الاقتصادية يجب ألا تتأثر بالاعتبارات السياسية القصيرة الأجل.
يُعد تعيين همتي محاولة من السلطات الإيرانية لإعادة الثقة في الاقتصاد، والذي يواجه تحديات جمة نتيجة العقوبات الدولية وتراجع أسعار النفط. ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن تغيير القيادة وحده لن يكون كافيًا لتحقيق الاستقرار المنشود، وأن هناك حاجة إلى إصلاحات هيكلية شاملة.
تأتي هذه التطورات عقب فترة من الاحتجاجات الشعبية المتفرقة في عدة مدن إيرانية، تعبيراً عن الغضب تجاه ارتفاع الأسعار وتدهور الأوضاع المعيشية. وتزامنت هذه الاحتجاجات مع تراجع حاد في قيمة الريال الإيراني، مما زاد من حدة الأزمة الاقتصادية.
التضخم وقيود النقد الأجنبي: أزمة متراكمة
تشير بيانات مركز الإحصاء الإيراني إلى أن معدل التضخم السنوي بلغ 42.2% بنهاية ديسمبر 2025، مقارنة بالعام السابق. كما ارتفع التضخم النقدي إلى 52.6% خلال الفترة نفسها. ويضغط هذا الارتفاع الكبير في الأسعار على ميزانيات الأسر الإيرانية ويزيد من صعوبة الحصول على الضروريات الأساسية.
وفيما يتعلق بسعر الصرف، فقد انخفض الريال الإيراني إلى مستويات قياسية مقابل الدولار الأميركي، حيث بلغ سعره حوالي 1.44 مليون ريال لكل دولار في السوق الحرة في أواخر ديسمبر 2025. يعكس هذا التراجع الحاد في قيمة العملة الوطنية شح النقد الأجنبي والضغوط الاقتصادية المتزايدة.

ويرى خبراء اقتصاديون أن الأزمة الاقتصادية الإيرانية مرتبطة بشكل وثيق بالعقوبات الدولية، والتي تحد من قدرة البلاد على تصدير النفط وإجراء المعاملات المالية. كما يشيرون إلى أن السياسات الاقتصادية الخاطئة وسوء الإدارة ساهمت في تفاقم الأزمة.
الخطوات القادمة ومستقبل الاقتصاد الإيراني
من المتوقع أن يعلن البنك المركزي الإيراني عن المزيد من التفاصيل بشأن خططه لمعالجة الأزمة الاقتصادية في الأيام القليلة القادمة. ويترقب المراقبون الخطوات العملية التي سيتخذها همتي لتنفيذ وعوده بتحقيق الاستقرار النقدي والسيطرة على التضخم.
ومع ذلك، يبقى مستقبل الاقتصاد الإيراني غير مؤكد، حيث يعتمد إلى حد كبير على التطورات السياسية والاقتصادية الإقليمية والدولية. وتتطلب معالجة الأزمة الاقتصادية إصلاحات هيكلية شاملة، بالإضافة إلى حلحلة التوترات السياسية وتقليل الاعتماد على النفط.





