خبير عسكري: الكثافة السكانية تعرقل تقدم الجيش السوري بحلب

يشهد حي الشيخ مقصود في مدينة حلب تصعيدًا عسكريًا مستمرًا بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، حيث تتجه المعارك نحو مرحلة جديدة من التعقيد. وتواجه القوات الحكومية تحديات كبيرة في إحراز تقدم حاسم بسبب الكثافة السكانية العالية والاعتبارات الإنسانية، مما يجعل عملية السيطرة على حلب مهمة حساسة تتطلب تخطيطًا دقيقًا وتنفيذًا متأنيًا. هذا التطور يثير تساؤلات حول مستقبل المنطقة وتأثيره على الاستقرار العام في سوريا.
بدأت الاشتباكات الأخيرة بعد فشل محادثات لدمج عناصر من قسد في الجيش السوري، وهو اتفاق تم التوصل إليه مبدئيًا في مارس الماضي. ووفقًا لمصادر عسكرية، يهدف الجيش السوري إلى عزل قسد بشكل كامل عن مناطق نفوذها شرق الفرات وتقويض قدرتها على العمل في المنطقة. وتتركز العمليات العسكرية حول أهداف استراتيجية رئيسية، بما في ذلك تلة الكاستيلو وحديقة الشهداء.
تحديات السيطرة على حلب وتأثير الكثافة السكانية
تعتبر الكثافة السكانية العالية داخل أحياء حلب، وخاصة الشيخ مقصود والأشرفية، من أبرز العوائق التي تواجه الجيش السوري. يؤدي وجود عدد كبير من المدنيين إلى تقييد استخدام القوة النارية الكاملة، مما يفرض وتيرة قتال بطيئة وحذرة. يهدف الجيش إلى تقليل الخسائر في صفوف المدنيين قدر الإمكان، وهو ما يتطلب دقة في تحديد الأهداف العسكرية وتجنب القصف العشوائي.
الأهداف العسكرية الرئيسية
حدد الجيش السوري ثمانية أهداف عسكرية رئيسية داخل المنطقة المستهدفة، وفقًا لتحليلات عسكرية. تلة الكاستيلو هي من بين أهم هذه الأهداف، نظرًا لأهميتها الاستراتيجية في الإشراف على كامل مدينة حلب والمناطق المحيطة بها. كما تشمل الأهداف حديقة الشهداء، التي يُعتقد أنها تُستخدم من قبل قسد كنقطة تمركز ومخزن للأسلحة.
أشار خبراء عسكريون إلى أن المعركة تتجه نحو مرحلة “الروتين العسكري”، وهي مرحلة تتسم بالتقدم البطيء والقتال المستمر، وتتطلب وقتًا أطول لتحقيق الأهداف المرجوة. ويزيد من تعقيد الوضع طبيعة التضاريس داخل الأحياء السكنية، حيث توجد شبكة معقدة من الشوارع الضيقة والمباني المكتظة.
في المقابل، تعتمد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على تكتيكات حرب المدن، باستخدام القناصات والرشاشات والهاونات قصيرة المدى لعرقلة تقدم الجيش السوري. كما تستخدم قسد الطائرات بدون طيار (المسيرات) لجمع المعلومات وتنفيذ هجمات محدودة، لكن تأثيرها لا يزال محدودًا مقارنة بالإمكانات النارية للجيش السوري.
وفقًا لتقارير ميدانية، فإن قسد تسعى إلى الحفاظ على وجودها في الشيخ مقصود والأشرفية كجزء من مشروع يهدف إلى إقامة كيان كردي مستقل في شمال سوريا. يقطن الحيّان حوالي 100 ألف شخص من الأكراد، ويعتبران من المناطق التي شهدت هجرة داخلية كبيرة بسبب الأحداث التي شهدتها سوريا.
السيطرة على حلب تتطلب من الجيش السوري تحقيق توازن دقيق بين الضغط العسكري وحماية المدنيين. ويستخدم الجيش أساليب مختلفة لتحقيق هذا التوازن، بما في ذلك إعلان المناطق المستهدفة مناطق عسكرية وإخراج المدنيين منها قبل بدء العمليات العسكرية. كما يركز الجيش على استهداف البنية التحتية العسكرية لقسد، مع تجنب الأضرار التي تلحق بالممتلكات المدنية.
بالإضافة إلى ذلك، يعتبر الدعم اللوجستي من التحديات التي تواجه قسد داخل هذا الجيب المحاصر. حيث أنها معزولة عن قواعدها الرئيسية شرق الفرات، مما يحد من قدرتها على إعادة التزويد بالأسلحة والذخيرة والإمدادات الأخرى. وهذا يجعلها أكثر عرضة للضغط العسكري من قبل الجيش السوري.
تشير التحليلات العسكرية إلى أن الحكومة تسعى إلى تحقيق ضغط عسكري دون الانخراط في معارك شوارع مباشرة، حيث إن هذه المعارك تستنزف الوقت والقدرات، وقد تؤدي إلى خسائر فادحة في صفوف المدنيين. وترغب الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية في أسرع وقت ممكن، وبأقل تكلفة بشرية.
ومع استمرار الاشتباكات، تزداد المخاوف بشأن الوضع الإنساني في حلب، حيث يعاني السكان من نقص في الغذاء والدواء والمياه. وتدعو المنظمات الدولية إلى وقف إطلاق النار والسماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين. السيطرة على حلب والمنطقة بأكملها ستتطلب حلولًا سياسية وعسكرية شاملة.
من المتوقع أن تستمر المعارك في حلب خلال الأيام والأسابيع القادمة، وأن يسعى الجيش السوري إلى تحقيق تقدم تدريجي نحو الأهداف المحددة. ويتوقف مستقبل المنطقة على نتائج هذه المعارك، وقدرة الأطراف المتنازعة على التوصل إلى اتفاق سياسي. ويراقب المراقبون الدوليون الوضع في حلب عن كثب، ويخشون من تصعيد إقليمي قد يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار في سوريا والمنطقة بأكملها. السيطرة على حلب ستكون ذات تأثير بالغ على مسار الحرب السورية.




