تعرف على نصيبك من الإنفاق على الصحة في بلدك

في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف الرعاية الطبية، يبرز الإنفاق الحكومي على الصحة كأحد أهم المؤشرات على مدى اهتمام الدول بصحة مواطنيها وجودة الخدمات المقدمة لهم. وبين تفاوت الموارد والإمكانات، تكشف الأرقام الرسمية لميزانيات عامة في عدد من الدول العربية عن فروق واسعة في حجم الإنفاق الصحي، سواء من حيث القيمة المطلقة أو نصيب الفرد أو نسبة الإنفاق الصحي من إجمالي الإنفاق العام.
تتأثر مستويات الرعاية الصحية المتاحة للمواطنين بشكل كبير بالقرارات المالية للحكومات. هذا التقرير يهدف إلى تسليط الضوء على هذه الفروقات، من خلال تحليل ميزانيات الصحة في دول عربية مختلفة، وتقييم مدى كفاية هذه الميزانيات لتلبية الاحتياجات الصحية المتزايدة.
الإنفاق الحكومي على الصحة: نظرة عامة على الدول العربية
يُعد الإنفاق الحكومي على الصحة عنصراً حاسماً في تطوير القطاع الصحي، وتحسين المؤشرات الصحية للسكان. ومع ذلك، فإن حجم هذا الإنفاق يختلف بشكل كبير بين الدول العربية، ويعكس أولويات كل دولة وظروفها الاقتصادية والاجتماعية. تعتمد العديد من العوامل على حجم هذا الإنفاق، بما في ذلك عدد السكان، والناتج المحلي الإجمالي، والسياسات الصحية المتبعة.
السعودية: ريادة في الإنفاق الصحي
وفقًا لآخر البيانات المنشورة، بلغت ميزانية وزارة الصحة السعودية للعام 2025 نحو 99.3 مليار ريال سعودي (26.8 مليار دولار)، وهو الأعلى عربيًا. تمثل هذه الميزانية 7.7% من إجمالي الميزانية السعودية، ويصل نصيب الفرد إلى حوالي 775 دولارًا. وتشير هذه الأرقام إلى التزام قوي من الحكومة السعودية بتوفير رعاية صحية عالية الجودة لمواطنيها.
مصر: تحديات في ظل محدودية الموارد
في المقابل، يواجه القطاع الصحي في مصر تحديات كبيرة بسبب محدودية الموارد. بلغ الإنفاق المقرر لقطاع الصحة في ميزانية 2026 نحو 246 مليار جنيه مصري (5.17 مليار دولار)، وهو ما يمثل 5.4% من إجمالي الميزانية العامة. ويصل نصيب الفرد من الإنفاق الصحي إلى 47 دولارًا فقط، وهو الأدنى بين الدول التي شملها هذا التقرير.
قطر: استثمار كبير في الصحة
تتميز قطر باستثمار كبير في قطاع الصحة، حيث خصصت 25.4 مليار ريال قطري (7.1 مليار دولار) للإنفاق الصحي في ميزانية 2026. تمثل هذه النسبة 11.5% من إجمالي الإنفاق العام، ويصل نصيب الفرد إلى 2218 دولارًا، وهو الأعلى عربيًا. يعكس هذا الالتزام رؤية قطر لتطوير قطاع صحي عالمي المستوى.
الجزائر: ميزانية متزايدة مع تحديات
كشف مشروع قانون المالية للعام 2026 في الجزائر عن تخصيص 1.1 تريليون دينار جزائري (8 مليارات دولار) للإنفاق على الصحة. تمثل هذه النسبة 6% من إجمالي الميزانية، ويصل نصيب الفرد إلى 167 دولارًا. على الرغم من الزيادة في الميزانية، لا تزال هناك تحديات في توفير رعاية صحية كافية لجميع المواطنين.
المغرب: جهود لتعزيز التغطية الصحية
خصصت الحكومة المغربية 42.4 مليار درهم (3.9 مليار دولار) لقطاع الصحة في ميزانية 2026، وهو ما يمثل 5.5% من إجمالي الميزانية. ويصل نصيب الفرد إلى 101 دولار. تركز المغرب على توسيع نطاق التأمين الصحي لتوفير تغطية أكبر للمواطنين.
الأردن: نسبة إنفاق معتدلة
بلغ الإنفاق الصحي في الأردن 785 مليون دينار أردني (1.1 مليار دولار) في ميزانية 2026، وهو ما يمثل 6.9% من إجمالي الإنفاق العام. ويصل نصيب الفرد إلى 95 دولارًا. تسعى الحكومة الأردنية إلى تحسين كفاءة الإنفاق الصحي لضمان تقديم خدمات عالية الجودة.
سوريا ولبنان: أوضاع استثنائية
تواجه سوريا ولبنان أوضاعًا استثنائية بسبب الأزمات السياسية والاقتصادية التي تمر بها. لم يتم إقرار ميزانية عامة لعام 2026 في لبنان حتى الآن، بينما لا تزال البيانات المتعلقة بالإنفاق الصحي في سوريا محدودة. ومع ذلك، تشير التقديرات إلى أن نصيب الفرد من الإنفاق الصحي في كلا البلدين منخفض للغاية.
العوامل المؤثرة في الإنفاق الصحي
هناك عدة عوامل تؤثر في حجم الإنفاق الحكومي على الصحة في الدول العربية. من أهم هذه العوامل: الناتج المحلي الإجمالي، عدد السكان، مستوى التنمية الاقتصادية، والسياسات الصحية المتبعة. بالإضافة إلى ذلك، تلعب الأزمات السياسية والاقتصادية دورًا كبيرًا في تقليل الإنفاق الصحي وزيادة التحديات التي تواجه القطاع الصحي.
ويرى خبراء الاقتصاد أن تخصيص ميزانية كافية للقطاع الصحي ليس مجرد التزام إنساني، بل هو استثمار ضروري لتحقيق التنمية المستدامة. فالصحة الجيدة تساهم في زيادة الإنتاجية، وتحسين مستوى المعيشة، وتقليل الأعباء على الاقتصاد.
نظرة مستقبلية
من المتوقع أن يستمر الإنفاق الحكومي على الصحة في الاهتمام المتزايد في الدول العربية، خاصة مع تزايد الوعي بأهمية الصحة في تحقيق التنمية المستدامة. ومع ذلك، فإن تحقيق تحسينات حقيقية في القطاع الصحي يتطلب ليس فقط زيادة الإنفاق، بل أيضًا تحسين كفاءة الإنفاق، وتعزيز الحوكمة، وتوفير الموارد البشرية المؤهلة. وستظل متابعة التطورات الاقتصادية والسياسية في المنطقة أمرًا بالغ الأهمية لتقييم مستقبل الإنفاق الصحي وتأثيره على صحة المواطنين.





