باحث أميركي: تجارب واشنطن في إسقاط حكومات الدول أثبتت فشلها

بعد عقود من النقاش حول فعالية التدخلات الخارجية، عادت فكرة تغيير الأنظمة بالقوة إلى صدارة اهتمامات صانعي القرار في واشنطن. يأتي هذا التحول مدفوعًا بتصاعد الأزمات في مناطق مختلفة مثل فنزويلا وغزة وإيران، وحتى كوبا، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه السياسة يمكن أن تكون حلاً فعالاً لتحقيق الاستقرار الإقليمي والدفاع عن المصالح الأمريكية.
لكن التاريخ الحديث، كما يؤكد المحللون السياسيون، يقدم سجلًا حافلًا بالإخفاقات التي تشير إلى أن إسقاط الحكومات قد يكون أسهل بكثير من بناء دول مستقرة وقادرة على الحكم الذاتي. هذا الواقع المعقد يفرض على الإدارة الأمريكية الحالية إعادة تقييم شاملة لخياراتها الاستراتيجية وتجنب تكرار الأخطاء الماضية.
القوة لا تصنع تغييراً في الأنظمة
في مقال تحليلي نشرته مجلة فورين أفيرز، استعرض ريتشارد هاس، الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية، وجهة نظر عسكرية مهمة. تتلخص هذه النظرة في أن تغيير النظام ليس مجرد مهمة عسكرية، بل يتطلب فهمًا عميقًا للديناميكيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البلد المعني.
القوة العسكرية قد تكون قادرة على تدمير القدرات العسكرية للخصم أو إزالة قياداته، لكنها لا تستطيع بمفردها بناء نظام سياسي بديل يحظى بالقبول الشعبي والشرعية الدولية. هذا الإدراك هو ما دفع إدارة بوش الأب في عام 1991 إلى الامتناع عن الزحف نحو بغداد بعد تحرير الكويت، وهو قرار يعتبره هاس صائبًا بالنظر إلى التطورات اللاحقة.
ويحذر هاس من أن العودة إلى خيار تغيير الأنظمة يمثل تجاهلاً لدروس التاريخ والتكاليف الباهظة التي دفعتها الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق وليبيا. التجربة الأمريكية الحديثة، بحسبه، تكاد تكون مثالاً كلاسيكيًا على الفشل الاستراتيجي في هذا المجال.
ففي أفغانستان، على الرغم من الإطاحة بحكم حركة طالبان عام 2001، عادت الحركة إلى السلطة بعد 20 عامًا من التدخل العسكري الأمريكي وإنفاق تريليونات الدولارات. وفي العراق، أدى التدخل الأمريكي عام 2003 إلى تفكك الدولة وإطلاق العنان للعنف الطائفي الذي لا يزال مستمرًا حتى اليوم.
أما في ليبيا، فقد أدى التدخل العسكري بقيادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 2011 إلى مقتل معمر القذافي وانهيار الدولة، مما أدى إلى حالة من الفوضى وعدم الاستقرار المستمر. هذه الأمثلة تؤكد على أهمية وجود خطة شاملة لبناء الدولة بعد إسقاط النظام، وهو ما لم يكن متاحًا في معظم الحالات.
أوجه القصور في التدخلات السابقة
ويرى المحللون أن التدخلات السابقة غالبًا ما اتسمت بالتركيز على الجوانب العسكرية والإهمال التام للجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية. كما أن غياب التنسيق مع القوى المحلية والإقليمية ساهم في تعقيد الأمور وزيادة فرص الفشل.
بالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما كانت الولايات المتحدة تتدخل في شؤون الدول الأخرى بناءً على معلومات استخباراتية غير دقيقة أو مضللة، مما أدى إلى اتخاذ قرارات خاطئة ذات عواقب وخيمة. هذه العوامل مجتمعة جعلت من تغيير الأنظمة مهمة صعبة للغاية، إن لم تكن مستحيلة.
الرئيس السابق دونالد ترامب انتقد بشدة تدخلات بلاده في عدة دول، واعتبرها مضيعة للوقت والمال والجهد. كما انتقد أجندة المحافظين الجدد التي تهدف إلى تغيير الأنظمة في ليبيا وسوريا وأفغانستان والعراق.
الوضع الحالي والسيناريوهات المحتملة
في الوقت الحالي، تشهد العديد من الدول أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، مما يثير مخاوف بشأن إمكانية انهيار الأنظمة الحاكمة. ففي فنزويلا، يعاني الشعب من نقص حاد في الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، مما أدى إلى موجة هجرة واسعة النطاق.
وفي غزة، يواجه الفلسطينيون أوضاعًا إنسانية صعبة للغاية بسبب الحصار الإسرائيلي والنزاع المستمر. وفي إيران، تتزايد الاحتجاجات الشعبية ضد النظام الحاكم بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية والقيود الاجتماعية والسياسية.
وفيما يتعلق بإيران، يرى بعض المحللين أن الضغوط الاقتصادية والاحتجاجات الشعبية قد تؤدي إلى تغيير داخلي في النظام، بينما يحذر آخرون من أن أي تدخل عسكري أمريكي قد يؤدي إلى نتائج عكسية. تغيير الأنظمة في إيران، بحسب هاس، يتطلب فهمًا عميقًا للديناميكيات الداخلية والخارجية، وتجنب أي تصرفات قد تؤدي إلى تأجيج النزعة القومية أو إضعاف قوى المعارضة.
الخلاصة التي يمكن استخلاصها من التجارب السابقة هي أن تغيير الأنظمة ليس حلاً سحريًا للمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية. بل هو خيار محفوف بالمخاطر ويتطلب تخطيطًا دقيقًا وتنفيذًا فعالًا، بالإضافة إلى فهم عميق للديناميكيات المحلية والإقليمية والدولية.
من المتوقع أن تستمر الولايات المتحدة في مراقبة الوضع في هذه الدول عن كثب، وتقييم الخيارات المتاحة لها. لكن من غير المرجح أن تتخذ واشنطن خطوات ملموسة نحو تغيير الأنظمة في المستقبل القريب، ما لم تكن هناك ظروف استثنائية تبرر ذلك. ما يجب مراقبته هو تطور الأوضاع الداخلية في هذه الدول، وردود أفعال القوى الإقليمية والدولية، والقدرة على التوصل إلى حلول سياسية سلمية للأزمات القائمة.





