دهون “مفيدة” تحمي القلب… دراسة تكشف دورًا خفيًا في تنظيم ضغط الدم

كشفت دراسة علمية حديثة عن دور غير متوقع للدهون البيجية في تنظيم ضغط الدم، محذرة من أن نقص هذه الدهون قد يزيد من خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والأوعية الدموية. الأبحاث، التي أجريت في جامعة روكفلر بنيويورك، تلقي الضوء على آلية بيولوجية جديدة قد تفسر العلاقة بين الوزن الزائد وارتفاع ضغط الدم، وتقدم مسارًا محتملاً لتطوير علاجات أكثر فعالية.
نُشرت نتائج الدراسة في دورية علمية متخصصة، وتأتي في وقت يشهد فيه العالم ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، والتي تعتبر السبب الرئيسي للوفاة على مستوى العالم. وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، يعاني ما يقرب من 1.13 مليار شخص حول العالم من ارتفاع ضغط الدم.
الدهون البيجية ودورها في تنظيم ضغط الدم
الدهون البيجية هي نوع من الأنسجة الدهنية التي تشبه الدهون البنية، وتتميز بقدرتها على حرق الطاقة وإنتاج الحرارة، خاصةً عند التعرض لدرجات حرارة منخفضة. تتمركز هذه الدهون بشكل رئيسي في مناطق مثل الرقبة، أعلى الظهر، وحول الكليتين والحبل الشوكي. على عكس الدهون البيضاء، التي تخزن الطاقة، تلعب الدهون البيجية دورًا نشطًا في عمليات التمثيل الغذائي.
كيف تؤثر الدهون البيجية على الأوعية الدموية؟
أظهرت التجارب التي أجريت على فئران معدلة وراثيًا أن فقدان الدهون البيجية يزيد من حساسية الأوعية الدموية لإشارات الضغط، مما يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم. بالإضافة إلى ذلك، لاحظ الباحثون تحول الدهون المحيطة بالأوعية الدموية إلى دهون بيضاء، والتي تفرز هرمون الأنجيوتنسينوجين، المعروف بتأثيره في رفع ضغط الدم. هذا التحول يقلل من مرونة الأوعية الدموية، مما يجبر القلب على العمل بجهد أكبر لضخ الدم.
تحليل الخلايا الفردية كشف أن غياب الدهون البيجية ينشط برامج جينية تعزز تكوين النسيج الليفي المتصلب حول الأوعية الدموية. هذا التصلب يقلل من قدرة الأوعية الدموية على التمدد والانكماش، مما يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب.
إنزيم QSOX1 وعلاقته بارتفاع ضغط الدم
اكتشف الفريق البحثي أن الخلايا الدهنية، في غياب الدهون البيجية، تنتج إنزيمًا يسمى QSOX1، والذي يطلق سلسلة من التفاعلات التي تساهم في ارتفاع ضغط الدم. في المقابل، تعمل الدهون البيجية عادةً على تثبيط إنتاج هذا الإنزيم. هذا يشير إلى أن الدهون البيجية تلعب دورًا وقائيًا ضد ارتفاع ضغط الدم من خلال تنظيم إنتاج QSOX1.
عززت النتائج احتمالية انطباقها على البشر، حيث وجد الباحثون أن مرضى يحملون طفرات في جين PDM16، المرتبط بتنشيط المسار الجيني الذي ينتج QSOX1، يعانون أيضًا من ارتفاع ضغط الدم. هذا الارتباط الجيني يقدم دليلًا إضافيًا على أهمية الدهون البيجية في تنظيم ضغط الدم.
ارتفاع ضغط الدم ليس مجرد مشكلة صحية فردية، بل هو عبء كبير على الأنظمة الصحية. تشير التقديرات إلى أن تكلفة علاج ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والأوعية الدموية المرتبطة به تصل إلى مليارات الدولارات سنويًا. لذلك، فإن فهم الآليات البيولوجية الكامنة وراء هذه الأمراض أمر بالغ الأهمية لتطوير استراتيجيات وقائية وعلاجية فعالة.
بالإضافة إلى ضغط الدم، قد يكون للدهون البيجية دور في تنظيم مستويات السكر في الدم وتحسين حساسية الأنسولين، مما يجعلها هدفًا واعدًا لعلاج السمنة والسكري من النوع الثاني. الأبحاث المستقبلية ستركز على استكشاف هذه الروابط المحتملة.





