Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
ثقافة وفنون

من “تيجان النور” إلى “دولة التلاوة”.. برامج إحياء فن الترتيل بين الأصالة والتجديد

منذ أن بدأت الإذاعة المصرية في بث تلاوات القرآن الكريم في عام 1934 بصوت الشيخ محمد رفعت، أصبحت تلاوة القرآن جزءًا لا يتجزأ من الثقافة العربية والإسلامية. لم تعد التلاوة مجرد عبادة، بل فنًا متكاملًا يتطلب إتقانًا لأحكام التجويد والمقامات الصوتية، وقد شهدت تلاوة القرآن تطورات كبيرة على مر العقود، بدءًا من الإذاعة وصولًا إلى المسابقات الدولية والبرامج التلفزيونية الحديثة.

مدرسة التلاوة المصرية: تاريخ عريق وتأثير واسع

تعتبر مدرسة التلاوة المصرية من أقدم وأعرق المدارس في هذا المجال، وقد نشأت في بداية القرن العشرين وتطورت على يد قراء متميزين مثل الشيخ علي محمد الضبيعي والشيخ محمود سليم الحصري. تميزت هذه المدرسة بالتركيز على الجودة والدقة في الأداء، بالإضافة إلى إضفاء لمسة فنية مميزة على التلاوة. كانت الإذاعة المصرية بمثابة نقطة انطلاق هؤلاء القراء، حيث ساهمت في انتشار تلاواتهم في جميع أنحاء العالم العربي.

مع مرور الوقت، أصبحت الإذاعة وجهة الفنانين والقراء على حد سواء. كانت لجنة القبول في الإذاعة تتكون من خبراء في التجويد والموسيقى، وكانوا يحرصون على اختيار أفضل الأصوات التي تتمتع بالجمال والوضوح والإتقان. وقد ساهمت هذه اللجنة في وضع معايير عالية للتلاوة، مما أدى إلى ظهور جيل جديد من القراء المتميزين.

تطور المقامات في التلاوة المصرية

بدأت ملامح مدرسة التلاوة المصرية في التبلور مع وضع قواعد شبه راسخة للتعامل مع المقامات الموسيقية وترتيبها في التلاوة. أصبح الاستهلال بمقام البياتي هو القاعدة السائدة، يليه الصبا أو الحجاز، ثم النهاوند، والراست، والسيكاه، والعجم، والعودة إلى البياتي في الختام. وقد رسخ الشيخ مصطفى إسماعيل هذا الترتيب، وأضاف إليه قاعدة إشباع المقام قبل الانتقال إلى غيره، مما ساهم في جعل التلاوة المصرية مدرسة متكاملة.

الجمع الصوتي للقرآن: مشروع تاريخي

في نهاية الخمسينيات، ناقش الدكتور لبيب السعيد فكرة الجمع الصوتي للقرآن الكريم، واعتبرها مشروع حياته. يهدف هذا المشروع إلى تسجيل القرآن الكريم بأصوات قراء متميزين من مختلف أنحاء العالم، وتقديمه للجمهور بأسلوب سهل وميسر. وقد بدأ تنفيذ هذا المشروع في الستينيات، بتسجيل القرآن الكريم كاملاً بصوت الشيخ محمود خليل الحصري، وهو أول مصحف صوتي كامل في التاريخ.

سجل الشيخ الحصري المصحف المرتل بروايات متعددة، بما في ذلك رواية حفص عن عاصم، ورواية ورش عن نافع، ورواية قالون عن نافع، والدوري عن أبي عمرو البصري. وقد ساهم هذا العمل في نشر القرآن الكريم في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وساعد على تعزيز الوعي بأهمية التلاوة الصحيحة والمجوّدة.

مسابقات القرآن الكريم: منصات لتشجيع التلاوة

شهدت العقود الأخيرة ازدهارًا في مسابقات تلاوة القرآن على المستويين المحلي والدولي. تهدف هذه المسابقات إلى تشجيع الشباب على حفظ القرآن الكريم وإتقان تلاوته، وتعزيز الوعي بأهمية هذا الكتاب المقدس. ومن أبرز هذه المسابقات مسابقة ماليزيا الدولية التي بدأت عام 1961، ومسابقة إندونيسيا الدولية، ومسابقة الملك عبد العزيز في السعودية، ومسابقة دبي الدولية، ومسابقة “دولة التلاوة” المصرية التي انطلقت مؤخرًا.

تتميز مسابقة “دولة التلاوة” بتركيزها على إحياء المدرسة المصرية الأصيلة في تلاوة القرآن، واكتشاف المواهب الشابة في هذا المجال. تضم لجنة التحكيم خبراء في التجويد والمقامات الصوتية، وتقوم بتقييم المتسابقين بناءً على معايير دقيقة. وقد حققت هذه المسابقة نجاحًا كبيرًا في جذب انتباه الجمهور وتشجيع الشباب على الإقبال على تلاوة القرآن.

ومع ذلك، يرى البعض أن المسابقة تحتاج إلى تطوير بعض الجوانب، مثل الفصل بين المتسابقين الصغار والشباب لتحقيق تكافؤ الفرص. ومن المتوقع أن تشهد المسابقة المزيد من التطورات في المواسم المقبلة، وأن تساهم في إبراز المزيد من المواهب في مجال تلاوة القرآن.

في الختام، تظل تلاوة القرآن فنًا عريقًا له مكانة خاصة في قلوب المسلمين. ومن المتوقع أن تستمر هذه التلاوة في الازدهار والتطور، بفضل الجهود المبذولة من قبل القراء والعلماء والمؤسسات المعنية. وستظل مسابقات القرآن الكريم والبرامج التلفزيونية الحديثة منصات مهمة لتشجيع الشباب على الإقبال على هذا الفن الجميل، وتعزيز الوعي بأهمية القرآن الكريم في حياتنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى