Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
ثقافة وفنون

من “الحرب” إلى “الأزمة الإنسانية”.. كيف تغير لغة المؤسسات الثقافية العالمية سردية غزة؟

شهدت اللغة المستخدمة في بيانات صادرة عن مؤسسات ثقافية دولية لوصف الأحداث في غزة تحولاً ملحوظاً نحو ما يُعرف بـ”اللغة البيضاء”، وهي تعابير مُلطفة لا تعكس بشكل كامل الواقع المعقد للصراع المستمر. وقد أثار هذا التحول تساؤلات حول دوافع هذه المؤسسات والتأثير المحتمل على الخطاب العام حول الحرب على غزة.

وقد لوحظ استخدام متكرر لعبارات مثل “الأزمة الإنسانية” و”الوضع القائم” و”المعاناة الإنسانية” في بيانات وبيانات صحفية صادرة عن مهرجانات سينمائية ومتاحف واتحادات فنية وأدبية، بينما تراجع استخدام مصطلح “الحرب على غزة” كوصْف مباشر للأحداث الجارية منذ أكتوبر 2023. هذا التغيير اللغوي، الذي يبدو متزامناً عبر مؤسسات مختلفة، يثير نقاشاً حول مدى استقلالية هذه المؤسسات في التعبير عن مواقفها.

التحول في اللغة: من “الحرب” إلى “الأزمة الإنسانية”

بدأ هذا التحول بعد أسابيع قليلة من بدء القتال، حيث اعتمدت المؤسسات الدولية والسياسية الكبرى قاموساً يركز على الأثر الإنساني للصراع ويتجنب التوصيفات العسكرية المباشرة. على سبيل المثال، ذكر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (OCHA) في تقاريره الدورية أن “الوضع الإنساني في قطاع غزة يواصل التدهور”، مستخدماً عبارة “The humanitarian situation in the Gaza Strip continues to deteriorate”.

وبالمثل، وصفت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (UNRWA) الوضع بأنه “أزمة إنسانية كارثية”، مع التركيز على النتائج الإنسانية دون الإشارة المباشرة إلى الحرب. هذا النهج اللغوي، الذي يركز على المعاناة الإنسانية، أصبح شائعاً في البيانات الرسمية الصادرة عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

الضغط السياسي وتأثيره على الخطاب الثقافي

يبدو أن هذا التحول اللغوي يعكس ضغوطاً سياسية وتأثراً بالخطاب الرسمي. فالمؤسسات الثقافية الكبرى غالباً ما تعتمد على التمويل الحكومي أو القطاع الخاص، مما يجعلها عرضة للتأثيرات الخارجية. بالإضافة إلى ذلك، قد تسعى هذه المؤسسات إلى تجنب الجدل أو الإساءة إلى أي طرف من أطراف الصراع.

ومع ذلك، يرى البعض أن هذا النهج اللغوي يقلل من شأن خطورة الوضع في غزة ويساهم في تضليل الرأي العام. فاستخدام عبارات مُلطفة قد يخفي حقيقة العنف والمعاناة التي يعيشها المدنيون الفلسطينيون. هناك أيضاً قلق من أن هذا التحول قد يؤدي إلى تآكل مصداقية المؤسسات الثقافية التي تدعي الدفاع عن القيم الإنسانية.

أمثلة من المؤسسات الثقافية

ظهر هذا التحول بوضوح في ردود فعل المؤسسات الثقافية على الأحداث الجارية. ففي مهرجان صاندانس السينمائي، عُرضت أفلام تتناول غزة على أنها “قصص من مجتمعات متأثرة”، بدلاً من أن تُقدم كجزء من سياق الحرب. وبالمثل، استخدمت المتاحف الكبرى عبارات مثل “المعاناة الإنسانية المستمرة في غزة” لوصف الوضع، مع تجنب الإشارة المباشرة إلى العمليات العسكرية.

وفي بعض الحالات، لجأت المؤسسات الثقافية إلى استخدام لغة غامضة مثل “حساسية اللحظة الراهنة” لتبرير قراراتها المتعلقة بإلغاء أو تأجيل فعاليات مرتبطة بالقضية الفلسطينية. هذا النهج اللغوي، الذي يتجنب المواجهة المباشرة، يثير تساؤلات حول مدى التزام هذه المؤسسات بقيمها المعلنة.

تداعيات “اللغة البيضاء” على الخطاب العام

إن استخدام “اللغة البيضاء” في وصف الحرب على غزة له تداعيات كبيرة على الخطاب العام. فهو يساهم في إزالة السياسة من المعادلة، ويحول الصراع إلى مجرد قضية إنسانية. هذا التوصيف المُبسط قد يجعل من الصعب فهم الأسباب الجذرية للصراع والتوصل إلى حلول مستدامة.

علاوة على ذلك، قد يؤدي هذا التحول اللغوي إلى تراجع التغطية الإعلامية للصراع، حيث يميل الإعلام إلى التركيز على الجوانب الإنسانية بدلاً من الجوانب السياسية والعسكرية. هذا التراجع في التغطية قد يساهم في تهميش القضية الفلسطينية وتقليل الاهتمام الدولي بها. الكلمات المختارة بعناية، أو تجنبها، يمكن أن تشكل الرأي العام وتؤثر على القرارات السياسية.

من المتوقع أن تستمر هذه المناقشات حول اللغة المستخدمة في وصف الصراع في غزة في الأشهر المقبلة. من المرجح أن تواصل المؤسسات الدولية والثقافية استخدام قاموس مُلطف، مع التركيز على الأثر الإنساني وتجنب التوصيفات العسكرية المباشرة. ومع ذلك، من المهم أن نراقب عن كثب ردود فعل هذه المؤسسات على التطورات الجارية، وأن نقيّم مدى التزامها بقيمها المعلنة. ستكون قرارات المحكمة الجنائية الدولية بشأن التحقيقات في جرائم الحرب في غزة، المتوقعة بحلول نهاية عام 2026، نقطة محورية في هذا السياق، ومن شأنها أن تؤثر على الخطاب العام حول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى