Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
سياسة

هل أفشل “اتفاق ميركوسور” دور باريس القيادي في أوروبا؟

باريس – تتجه اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وتكتل ميركوسور في أمريكا الجنوبية نحو الإقرار النهائي بعد أكثر من عقدين من المفاوضات المعقدة، لكن هذه الخطوة تثير جدلاً واسعاً حول مستقبل السياسة التجارية الأوروبية ودور فرنسا المتراجع فيها. وتُظهر هذه الاتفاقية، التي تغطي سوقاً تضم أكثر من 700 مليون نسمة، تحولاً في موازين القوى داخل الاتحاد، حيث وجدت باريس نفسها معزولة في الدفاع عن مصالحها الزراعية ومعاييرها البيئية.

لطالما كانت اتفاقية ميركوسور رمزاً للتحديات التي تواجه التكامل التجاري بين القارتين. بدأت المفاوضات في أواخر التسعينيات بهدف إنشاء منطقة تجارية ضخمة، لكنها تعثرت مراراً وتكراراً بسبب الخلافات حول قضايا مثل التعريفات الجمركية على المنتجات الزراعية وحقوق الملكية الفكرية. ومع اقتراب موعد التوقيع النهائي، تتصاعد المخاوف بشأن تأثير الاتفاقية على المزارعين الأوروبيين والبيئة.

اختبار السيادة الأوروبية واتفاقية ميركوسور

تجمع اتفاقية الاتحاد الأوروبي وميركوسور بين أكبر سوق موحدة في العالم و4 دول رئيسية في أمريكا الجنوبية، بهدف خفض الرسوم الجمركية وتسهيل الاستثمارات. لكن فرنسا، التي تعتبر نفسها حامية للمصالح الزراعية الأوروبية، أعربت عن معارضتها الشديدة للاتفاقية، خشية أن يؤدي تدفق المنتجات الزراعية الرخيصة من أمريكا الجنوبية إلى إلحاق الضرر بالمزارعين الفرنسيين.

وترى باريس أن الاتفاقية لا تتضمن ضمانات كافية لحماية المعايير البيئية والصحية الأوروبية، وأنها قد تشجع على ممارسات زراعية غير مستدامة. وقد قدمت فرنسا سلسلة من المطالب لتعديل الاتفاقية، بما في ذلك إدراج بنود أكثر صرامة بشأن حماية البيئة ومعاملة المزارعين.

الموقف الفرنسي وتداعياته

أثار الموقف الفرنسي انتقادات واسعة من قبل دول أوروبية أخرى، مثل ألمانيا وهولندا وإسبانيا، التي تعتبر أن الاتفاقية فرصة لتعزيز الصادرات الأوروبية وتنويع الأسواق. ويرى هؤلاء الدول أن فرنسا تعرقل التقدم نحو اتفاق تجاري مهم، وأنها تضع مصالحها الوطنية فوق المصالح الجماعية للاتحاد الأوروبي.

ويعتقد بعض المحللين أن معارضة فرنسا لاتفاقية ميركوسور تعكس أزمة أعمق في السياسة الأوروبية، وهي فقدان باريس لدورها القيادي التقليدي. فمنذ عقود، كانت فرنسا تلعب دوراً محورياً في صياغة السياسات الأوروبية، لكن نفوذها تضاءل في السنوات الأخيرة بسبب صعود قوى جديدة داخل الاتحاد، مثل ألمانيا.

وفي هذا السياق، يرى الخبير في الاقتصاد الزراعي، جان ماري سيروني، أن الدبلوماسية الفرنسية تجد نفسها في موقف صعب، ما يؤدي إلى إضعاف مصداقيتها. وأضاف أن فرنسا، على الرغم من قوتها الاقتصادية، لم تعد قادرة على فرض إرادتها على الشركاء الأوروبيين.

تباين التأثيرات وتحديات المستقبل

تتوقع المفوضية الأوروبية أن تؤدي اتفاقية ميركوسور إلى زيادة بنسبة 16% في الصادرات الأوروبية إلى أمريكا الجنوبية، وأن تخلق آلاف الوظائف الجديدة في أوروبا. ومع ذلك، يخشى البعض من أن الاتفاقية قد تؤدي إلى تفاقم المشاكل البيئية في أمريكا الجنوبية، مثل إزالة الغابات وتلوث المياه.

بالإضافة إلى ذلك، يثير البعض مخاوف بشأن تأثير الاتفاقية على حقوق العمال في أمريكا الجنوبية، وأنها قد تشجع على استغلال العمال وتدهور ظروف العمل. وتشير التقارير إلى أن الاتفاقية قد تتطلب من دول ميركوسور تخفيف قوانين العمل، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع الحقوق العمالية.

وفي المقابل، يرى مؤيدو الاتفاقية أنها ستساعد على تعزيز النمو الاقتصادي في أمريكا الجنوبية، وأنها ستخلق فرص عمل جديدة للمواطنين. ويؤكدون أن الاتفاقية تتضمن بنوداً بشأن حماية البيئة وحقوق العمال، وأن الاتحاد الأوروبي سيراقب تنفيذ هذه البنود عن كثب.

الآن، وبعد استيفاء الشروط الفرنسية، من المتوقع أن يتم التصويت على الاتفاقية في البرلمان الأوروبي خلال الأشهر القليلة القادمة. ومع ذلك، لا يزال مستقبل الاتفاقية غير مؤكد، حيث يواجهها معارضة قوية من بعض الجماعات البيئية والعمالية. وستعتمد نتيجة التصويت على قدرة المفوضية الأوروبية على إقناع البرلمانيين بفوائد الاتفاقية، وعلى قدرة فرنسا على التوصل إلى حلول وسط مع الدول الأخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى