لماذا تتصدر الروايات القديمة قوائم القراءة من جديد؟

في أزمنة القلق والاضطرابات، يشهد عالم القراءة تحولًا ملحوظًا؛ حيث يزداد الإقبال على الرواية كبديل عن الأخبار المتدفقة والتحليلات السياسية المعقدة. يبحث القراء عن عوالم موازية، وسرديات عميقة، ومعانٍ تتجاوز التغطية الإخبارية المباشرة، مما يدفع بأعمال أدبية قديمة إلى صدارة قوائم المبيعات.
تُظهر مؤشرات المبيعات العالمية والعربية هذا التحول بوضوح، حيث تعود روايات كُتبت قبل عقود إلى الأضواء كلما اشتدت الأزمات السياسية والاجتماعية. هذا ليس مجرد حنين إلى الماضي، بل هو سعي لفهم اللحظة الراهنة من خلال منظور مختلف، واستكشاف تجارب إنسانية تتجاوز حدود الزمان والمكان.
صعود الرواية كمرآة للواقع السياسي والاجتماعي
في المنطقة العربية، تبرز أسماء مثل رضوى عاشور ونجيب محفوظ والطيب صالح وأحمد خالد توفيق كأكثر الروائيين قراءة في هذه الأوقات. تعكس أعمالهم قضايا الهوية، والهزيمة، والذاكرة، والصراع، مما يجعلها ذات صلة خاصة بالواقع العربي المعاصر. بينما في الغرب، تشهد روايات مثل “1984” لجورج أورويل و”الغريب” لألبير كامو إقبالًا متزايدًا.
الرواية العربية: استعادة الذاكرة الجماعية
تكتسب هذه الظاهرة قوة خاصة في العالم العربي، نظرًا للتداخل الوثيق بين السياسة والتاريخ والهوية. تُعد الرواية هنا بمثابة بحث عن سرديات طويلة النفس، قادرة على تفسير الخسائر المتراكمة وتكرارها. تتصدر “ثلاثية غرناطة” لرضوى عاشور هذه الموجة، حيث تستعيد الرواية سقوط الأندلس كرمز للهزيمة والضياع، وتُظهر كيف يمكن للغة والثقافة والذاكرة أن تتحول إلى أدوات للمقاومة.
تعكس قراءة “ثلاثية غرناطة” حاجة القارئ إلى فهم معنى الهزيمة التاريخية، وإلى رؤية الحاضر كاستمرار للماضي، وليس مجرد لحظة منفصلة. تُقدم الرواية تحليلًا عميقًا للتجربة الإنسانية في ظل القهر، وتُسلط الضوء على أهمية الحفاظ على الهوية الثقافية.
بالتوازي مع ذلك، تشهد رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح عودة قوية إلى قوائم المبيعات. تتناول هذه الرواية قضايا الهوية والهجرة والصراع بين الشرق والغرب، وتُثير أسئلة حول السلطة والتمثيل الثقافي. يبدو أن الزمن قد أعاد فتح هذه الأسئلة، مما يجعل الرواية أكثر أهمية في الوقت الراهن.
تُقدم الرواية إطارًا لفهم واقع الهجرة المعاصر، والعلاقة المعقدة بين العالم العربي والغرب. تُظهر كيف يمكن لتجربة السفر أن تتحول إلى مواجهة نفسية وثقافية، وتُثير تساؤلات حول الانتماء والهوية.
الرواية العالمية: فهم القمع والاغتراب
على الصعيد العالمي، تتكرر هذه الظاهرة مع اختلاف السياقات. في أوقات الأزمات السياسية، يلجأ القراء إلى الرواية بحثًا عن لغة تفسر الخوف والقمع وفقدان اليقين. تُعد رواية “1984” لجورج أورويل مثالًا بارزًا على ذلك، حيث شهدت مبيعاتها قفزة كبيرة بعد تنصيب دونالد ترامب، وتصاعد الجدل حول مفهوم “الحقائق البديلة”.
تُقدم الرواية تحذيرًا من مخاطر الشمولية والمراقبة الدائمة، وتُظهر كيف يمكن للغة أن تُستخدم كأداة للسيطرة والتلاعب. كما تُسلط الضوء على أهمية الحفاظ على الحقيقة والحرية الفكرية.
بالإضافة إلى ذلك، تشهد رواية “الغريب” لألبير كامو إقبالًا متزايدًا في أوقات العزلة والاضطراب. تُعبر الرواية عن شعور بالاغتراب واللامبالاة، مما يجعلها ذات صلة خاصة بتجارب الأفراد في ظل الأزمات. خلال جائحة كوفيد-19، ارتفعت مبيعات الرواية بشكل ملحوظ في فرنسا وإيطاليا، حيث بحث القراء عن معنى للعزلة والخوف.
كما عادت رواية “فهرنهايت 451” لراي برادبري إلى الأضواء مع موجة حظر الكتب في الولايات المتحدة. تُقدم الرواية تحذيرًا من مخاطر الرقابة على الكتب، وتُظهر كيف يمكن لحرية التعبير أن تُهدد من قبل السلطات. تُعد الرواية بمثابة دعوة إلى القراءة والتفكير النقدي.
مستقبل القراءة في ظل الأزمات
من المتوقع أن يستمر الإقبال على الرواية كبديل عن الأخبار في ظل استمرار الأزمات السياسية والاجتماعية. يبحث القراء عن أعمال أدبية قادرة على تقديم رؤى عميقة حول التجربة الإنسانية، وتفسير الأحداث الجارية من خلال منظور مختلف. يجب على دور النشر والمكتبات أن تستجيب لهذا الطلب، من خلال توفير مجموعة متنوعة من الروايات التي تتناول قضايا ذات صلة بالواقع المعاصر. كما يجب عليها تشجيع القراءة والتفكير النقدي، من خلال تنظيم فعاليات ثقافية وحوارات أدبية.
ومع ذلك، من المهم ملاحظة أن هذه الظاهرة قد تكون مؤقتة، وأن الإقبال على الأخبار قد يعود إلى الارتفاع مع انحسار الأزمات. يبقى أن نرى ما إذا كانت الرواية ستستمر في لعب دور مهم في فهمنا للعالم من حولنا، أم أنها ستعود إلى مكانتها التقليدية كشكل من أشكال الترفيه.





