Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
اقتصاد

ما هو الإكراه الاقتصادي؟ ولماذا عاد بقوة مع ترامب؟

لم تعد الخلافات بين الدول تُدار حصراً عبر القنوات الدبلوماسية، بل باتت الأدوات الاقتصادية أداة ضغط سياسية متكاملة. هذا التحول يظهر بوضوح في التهديدات الأخيرة بفرض رسوم جمركية، والتي تتجاوز النزاعات التجارية لتطال ملفات سيادية حساسة، مما يثير تساؤلات حول مستقبل العلاقات الدولية وفاعلية القانون الدولي في مواجهة الإكراه الاقتصادي.

ففي تطور لافت، لوح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية على عدد من الدول الأوروبية، ربطاً بالتوصل إلى اتفاق بشأن جزيرة غرينلاند. وأعلن عن نيته فرض تعريفة جمركية بنسبة 10% على دول مثل الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وهولندا وفنلندا، قابلة للارتفاع إلى 25% في يونيو/حزيران المقبل، ما لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن شراء غرينلاند.

ماذا يعني الإكراه الاقتصادي؟

يشير مفهوم الإكراه الاقتصادي إلى استخدام القوة الاقتصادية أو التهديد بها لإجبار دولة أو كيان على اتخاذ إجراء معين. لا يتعلق الأمر بالضرورة بحماية الصناعة المحلية، بل باستغلال نقاط الضعف الاقتصادية لدى الطرف الآخر لتحقيق أهداف سياسية أوسع.

ويعتبر هذا الأسلوب جزءاً من ترسانة الضغوط التي تستخدمها الدول لتحقيق مصالحها، وغالباً ما يكون بديلاً أقل تكلفة من التدخل العسكري المباشر. لكن، يثير هذا النهج جدلاً حول مدى قانونيته وأخلاقيته، خاصةً عندما يؤثر بشكل كبير على حياة المواطنين.

تاريخ من الاستخدام

الإكراه الاقتصادي ليس ظاهرة جديدة، فقد استخدم عبر التاريخ بأشكال مختلفة. ففي العصر الحديث، شهدنا أمثلة بارزة مثل العقوبات الدولية المفروضة على جنوب أفريقيا خلال فترة الفصل العنصري، والحظر الأميركي على كوبا، والعقوبات على العراق وإيران.

تُظهر هذه الحالات أن الإكراه الاقتصادي غالباً ما يكون مرتبطاً بملفات سياسية معقدة، ويهدف إلى تغيير سلوك الدول المستهدفة أو دعم أهداف سياسية محددة.

حروب ترامب التجارية والإكراه الاقتصادي المعاصر

تُعد السياسات التجارية التي انتهجها الرئيس ترامب مثالاً حديثاً على استخدام الإكراه الاقتصادي. فقد اعتمد على الرسوم الجمركية كوسيلة لإعادة التفاوض على اتفاقيات التجارة الحرة، والضغط على دول مثل الصين والاتحاد الأوروبي لفتح أسواقها أمام المنتجات الأميركية.

لكن، اللافت في الحالة الأوروبية الأخيرة هو ربط الرسوم الجمركية بملف سياسي غير تقليدي، وهو غرينلاند. هذا الربط يعكس تحولاً في استخدام الأدوات الاقتصادية، حيث أصبحت وسيلة ضغط سياسي مباشر، تتجاوز الخلافات التجارية البحتة.

وقد أثار هذا التهديد قلقاً متزايداً في أوروبا، مما دفع فرنسا إلى الضغط من أجل تفعيل “أداة مكافحة الإكراه” التابعة للاتحاد الأوروبي. تهدف هذه الأداة إلى توفير آلية للرد على الإجراءات الاقتصادية القسرية التي تتخذها دول أخرى.

أداة مكافحة الإكراه الأوروبية: “بازوكا التجارة”

تُعرف أداة مكافحة الإكراه أيضاً باسم “بازوكا التجارة”، وهي لائحة أوروبية تتيح للاتحاد الأوروبي اتخاذ إجراءات مضادة ضد دول تمارس ضغوطاً اقتصادية غير قانونية. تشمل هذه الإجراءات قيوداً على الاستيراد والتصدير، والملكية الفكرية، والاستثمار الأجنبي المباشر.

تهدف هذه الأداة إلى حماية المصالح الاقتصادية للاتحاد الأوروبي، وردع الدول الأخرى عن استخدام الإكراه الاقتصادي. ومع ذلك، يرى البعض أن تفعيلها قد يؤدي إلى تصعيد تجاري واسع النطاق، مما قد يضر بالاقتصاد العالمي.

هل يوجد إطار قانوني دولي؟

على الرغم من انتشار استخدام الإكراه الاقتصادي، لا يوجد قانون دولي شامل يجرمه بشكل صريح. يعتمد النظام القانوني الدولي على مبادئ عامة، مثل مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

لكن، هذا المبدأ لا يحدد بوضوح متى تتحول الإجراءات الاقتصادية إلى تدخل غير قانوني. وقد أكدت محكمة العدل الدولية أن العقوبات الاقتصادية لا تعتبر خرقاً تلقائياً للقانون الدولي، إلا إذا كانت تنتهك التزامات تعاقدية أو معاهدات دولية محددة.

وبالتالي، يظل الإكراه الاقتصادي منطقة رمادية في القانون الدولي، حيث تعتمد الدول على ميزان القوة والمصالح الوطنية في تحديد مسارها.

في الختام، يمثل تصاعد التوترات التجارية والسياسية بين الولايات المتحدة وأوروبا تحذيراً بشأن مخاطر الإكراه الاقتصادي. من المتوقع أن يناقش الاتحاد الأوروبي الخطوات التالية في تفعيل “أداة مكافحة الإكراه” خلال الأسابيع القادمة، مع الأخذ في الاعتبار المخاطر المحتملة للتصعيد. يبقى التطور القادم في هذا الملف مرتبطاً بمفاوضات محتملة بين الطرفين، ومدى استعداد كل منهما لتقديم تنازلات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى