هل تستطيع أوروبا والصين و “بريكس” تقويض عرش الدولار؟

على مدى عقود، شكّل الدولار الأمريكي حجر الزاوية في النظام المالي العالمي، حيث يُستخدم في تسعير السلع الأساسية مثل النفط، وفي تسوية الغالبية العظمى من المعاملات التجارية والمالية الدولية، بالإضافة إلى كونه العملة الاحتياطية الرئيسية لدى البنوك المركزية حول العالم. هذا الدور المحوري جعل الدولار جزءًا لا يتجزأ من الحياة الاقتصادية لملايين الأفراد والشركات، من خلال التجارة والسفر والاستثمارات عبر الحدود. ومع ذلك، يشهد هذا الواقع تحولات متزايدة في السنوات الأخيرة، مع تصاعد التوترات الجيوسياسية والتحركات نحو تقليل الاعتماد على العملة الأمريكية.
تزايدت الدعوات إلى إيجاد بدائل للعملة الأمريكية، مدفوعة بتوسيع نطاق العقوبات المالية المفروضة على دول كبرى مثل روسيا وإيران، بالإضافة إلى ظهور نزعات حمائية وإعادة فرض الرسوم الجمركية. وقد دفع هذا الوضع قوى اقتصادية صاعدة، مثل الصين والاتحاد الأوروبي ودول مجموعة بريكس، إلى استكشاف خيارات جديدة لتعزيز استقلالها المالي وتقليل تعرضها لتقلبات الدولار.
الدولار الأمريكي.. هل بدأت الحقبة الجديدة؟
تعتبر محاولات تقليل الاعتماد على الدولار بمثابة تحدٍ للنظام المالي العالمي القائم، الذي استمر لعقود. وتشير التطورات الأخيرة إلى أن هذه المحاولات لم تعد مجرد حديث نظري، بل بدأت تتجسد في مبادرات ملموسة على الأرض. وتشمل هذه المبادرات تطوير عملات رقمية جديدة، وتعزيز استخدام العملات المحلية في التجارة البينية، وإنشاء أنظمة دفع بديلة تتجاوز هيمنة المؤسسات المالية الأمريكية.
اليوان الرقمي كأداة للتحايل على العقوبات
من بين أبرز هذه المبادرات، يبرز اليوان الرقمي الذي تراه الصين رهانًا استراتيجيًا لتعزيز سيادتها النقدية وتقليص الاعتماد على الدولار في التجارة الدولية. بدأت الصين في اختبار اليوان الرقمي في عدد من المدن منذ عام 2020، قبل أن تتوسع التجربة لتشمل معظم أنحاء البلاد. ويتيح اليوان الرقمي، من خلال تقنيات البلوك تشين، إجراء تسويات فورية وبتكلفة أقل بكثير مقارنة بالمعاملات التقليدية التي تتم عبر نظام سويفت.
وتشير التقارير إلى أن اليوان الرقمي قد يمثل أداة فعالة للدول التي تسعى إلى التحايل على العقوبات المالية الأمريكية، حيث يمكنها إجراء تعاملاتها التجارية باستخدام العملة الرقمية دون المرور عبر النظام المالي الأمريكي. وقد أعلن بنك الشعب الصيني عن إطار عمل متطور لإدارة اليوان الرقمي سيدخل حيز التنفيذ مطلع عام 2026، بهدف رفع كفاءة الحوكمة وتوسيع نطاق الاستخدام.
بريكس والعملات المحلية.. بديل واعد؟
تسعى دول مجموعة بريكس، التي تضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، إلى تعزيز استخدام العملات المحلية في التجارة البينية وتقليل الاعتماد على الدولار. وتملك هذه الدول حصة كبيرة من موارد الطاقة والمعادن الاستراتيجية، ما يمنحها وزنًا متزايدًا في الاقتصاد العالمي. وتعتبر هذه الخطوة بمثابة رسالة واضحة إلى الولايات المتحدة بأن دول بريكس عازمة على بناء نظام مالي عالمي أكثر تعددية.
بالإضافة إلى ذلك، تعمل دول بريكس على تطوير أنظمة دفع بديلة تتجاوز هيمنة نظام سويفت، وذلك من خلال إنشاء مؤسسات مالية خاصة بها، مثل بنك التنمية الجديد، الذي يوفر تمويلاً بالعملات الوطنية. وتشير التقديرات إلى أن حجم التجارة بين دول بريكس التي تتم باستخدام العملات المحلية قد يزداد بشكل كبير في السنوات المقبلة.
اليورو الرقمي.. استجابة أوروبية للتحولات المالية
في أوروبا، يتزايد القلق من تنامي هيمنة الشركات الأمريكية على قطاع المدفوعات الرقمية، ما دفع المفوضية الأوروبية إلى دعم خطة البنك المركزي الأوروبي لإطلاق اليورو الرقمي. ويعتبر اليورو الرقمي بمثابة استجابة أوروبية للتحولات المالية الجارية، ويهدف إلى تعزيز استقلال أوروبا المالي وحماية استقرارها الاقتصادي. ومن المتوقع أن يتم إطلاق اليورو الرقمي بحلول عام 2029.
ويرى خبراء الاقتصاد أن اليورو الرقمي قد يساهم في زيادة كفاءة نظام المدفوعات الأوروبي، وتقليل تكاليف المعاملات، وتعزيز الشفافية المالية. كما يمكن أن يساعد اليورو الرقمي في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
تُظهر هذه التطورات أن النظام المالي العالمي يشهد تحولات عميقة، وأن هيمنة الدولار الأمريكي لم تعد مضمونة كما كانت في السابق. ومع ذلك، لا يزال الدولار هو العملة الاحتياطية الرئيسية في العالم، ومن غير المرجح أن يفقد هذا الدور في المدى القصير.
في الأشهر والسنوات القادمة، سيكون من المهم مراقبة تطورات اليوان الرقمي واليورو الرقمي، بالإضافة إلى جهود دول بريكس لتعزيز استخدام العملات المحلية في التجارة البينية. كما سيكون من المهم متابعة السياسات النقدية والمالية للولايات المتحدة، وتأثيرها على قيمة الدولار وثقة المستثمرين فيه. وستحدد هذه العوامل إلى حد كبير مستقبل النظام المالي العالمي، وما إذا كان الدولار الأمريكي سيحافظ على مكانته المهيمنة أم لا.





