مالكورا للجزيرة نت: القيادة النسائية قادرة على ردم فجوات الأمم المتحدة

باريس- منذ تأسيسها، ظلت الأمم المتحدة تواجه تحديات في تحقيق التوازن بين الجنسين في مناصبها القيادية. على الرغم من أن المساواة بين الجنسين تعتبر مبدأً أساسيًا في ميثاقها، إلا أن منصب الأمين العام لم يشغله سوى رجال طوال تاريخ المنظمة. هذا العام، ومع اقتراب نهاية ولاية أنطونيو غوتيريش، يتجدد النقاش حول ضرورة اختيار أمين عام للأمم المتحدة امرأة، في ظل دعوات متزايدة لكسر “السقف الزجاجي” وتحقيق تمثيل عادل للمرأة في أعلى هرم صنع القرار الدولي.
تاريخيًا، شهدت عملية اختيار الأمين العام تحيزًا واضحًا نحو المرشحين الذكور. في عام 2016، كانت هناك فرصة حقيقية للتغيير، حيث ترشح 13 شخصًا، من بينهم 7 نساء، في سباق اعتبر الأكثر شفافية حتى الآن. ومع ذلك، انتهى الأمر بانتخاب أنطونيو غوتيريش، ليواصل تقليدًا يمتد لعقود.
لماذا لم تتولَ امرأة منصب الأمين العام للأمم المتحدة؟
تتحدث سوزانا مالكورا، وزيرة الخارجية الأرجنتينية السابقة ورئيسة ديوان الأمين العام الأسبق بان كي مون، عن تجربتها في سباق عام 2016، وتسلط الضوء على العوامل الخفية التي تعيق وصول المرأة إلى هذا المنصب الرفيع. وتشير إلى أن الأمر لا يتعلق بالضرورة بنقص الكفاءة أو الخبرة لدى المرشحات، بل بوجود معايير غير معلنة قد تكون متحيزة ضد النساء.
وتوضح مالكورا أن النساء المؤهلات غالبًا ما يواجهن تقييمات مختلفة عن الرجال، حيث يتم التركيز على صفات شخصية قد لا تكون ذات صلة بالقدرة على القيادة. على سبيل المثال، قد يُنظر إلى المرأة القوية على أنها “متسلطة”، في حين أن الرجل الذي يظهر نفس الصفات قد يُعتبر “حازمًا”.
التحديات السياسية والهيكلية
بالإضافة إلى التحيزات الفردية، هناك تحديات هيكلية وسياسية تعيق تولي المرأة منصب الأمين العام. عملية الاختيار معقدة وتخضع لتأثير الدول الأعضاء في مجلس الأمن، وخاصة الدول الخمس الدائمة العضوية التي تمتلك حق النقض (الفيتو). هذا يعني أن الاعتبارات الجيوسياسية قد تطغى على مبدأ الجدارة، وقد تؤدي إلى اختيار مرشح لا يحظى بأوسع دعم من المجتمع الدولي.
وتشير مالكورا إلى أن مجلس الأمن غالبًا ما يفضل المرشحين الذين يتمتعون بخلفية دبلوماسية تقليدية، والذين يمثلون دولًا ذات نفوذ قوي. وهذا قد يضع المرشحات في وضع غير مؤاتٍ، خاصة إذا لم يكن لديهن نفس القدر من الدعم السياسي أو الموارد المالية التي يتمتع بها المرشحون الذكور.
القيادة النسائية والأمم المتحدة
على الرغم من هذه التحديات، هناك إجماع متزايد على أن الأمم المتحدة بحاجة إلى قيادة نسائية. فالنساء يجلبن معهن وجهات نظر مختلفة وأساليب قيادة أكثر تعاونية وشمولية. كما أنهن أكثر حساسية لقضايا النوع الاجتماعي، وأكثر التزامًا بتعزيز المساواة بين الجنسين.
وتؤكد مالكورا أن النساء غالبًا ما يتميزن بقدرتهن على بناء الجسور والتواصل مع مختلف الأطراف، وهو أمر ضروري لحل النزاعات وتعزيز السلام والأمن الدوليين. كما أنهن أكثر حرصًا على إدارة الموارد بكفاءة وشفافية، وهو أمر مهم في وقت تعاني فيه الأمم المتحدة من أزمة مالية.
وتضيف أن وجود امرأة في منصب الأمين العام قد يرسل رسالة قوية إلى العالم، مفادها أن الأمم المتحدة ملتزمة حقًا بالمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة. وهذا قد يشجع المزيد من النساء على المشاركة في الحياة السياسية والدبلوماسية، وعلى تولي مناصب قيادية في مختلف المجالات.
ماذا بعد؟
مع اقتراب نهاية ولاية غوتيريش، من المتوقع أن تبدأ عملية اختيار الأمين العام الجديد في الأشهر المقبلة. هناك دعوات متزايدة من المجتمع المدني والدول الأعضاء إلى إعطاء الأولوية للمرشحات المؤهلات، وإلى ضمان عملية اختيار شفافة وعادلة. يبقى أن نرى ما إذا كانت هذه الدعوات ستؤدي إلى تغيير تاريخي، وتولي امرأة منصب الأمين العام للأمم المتحدة لأول مرة. سيكون من المهم مراقبة موقف الدول الأعضاء في مجلس الأمن، ومدى استعدادها لدعم مرشحة قادرة على قيادة المنظمة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافًا. الجدول الزمني لعملية الاختيار غير محدد بعد، ولكن من المتوقع أن يتم اتخاذ قرار نهائي بحلول نهاية العام الحالي أو بداية العام القادم.





