Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
ثقافة وفنون

ليوناردو شاشا.. المثقف الذي فضح تغلغل المافيا في إيطاليا

بينما كانت إيطاليا تعاني لعقود من صمت مطبق تجاه جرائم المافيا، برز الروائي الصقلي ليوناردو شاشا كصوت أدبي وسياسي جريء، كاشفاً عن بنية الجريمة المنظمة. وقد سلطت مراجعة حديثة لجريدة تايمز البريطانية الضوء على كتاب “رجل صقلي” لكارولين مورهيد، والذي يستعرض حياة هذا الأديب الذي رأى في الكتابة طريقاً وحيداً نحو الحقيقة. هذا المقال يتناول إرث شاشا وأهميته في فهم المافيا وتأثيرها على المجتمع الإيطالي.

في قلب سجن “أوتشاردوني” بمدينة باليرمو عام 1986، وخلال أكبر محاكمة للمافيا في التاريخ، كان شاشا يراقب الأحداث من شرفة الصحافة. لم يكن غريباً عن هذا العالم، بل سبق الدولة والقضاء بعقود في فضح تغلغل الجريمة المنظمة في المجتمع الإيطالي. القاضي جيوفاني فالكوني، الذي قاد تلك المحاكمات، اعترف بأنه تعلم فهم المافيا من خلال قراءة كتب شاشا.

صقلية التي سكنت “العظام”

تستند مراجعة تايمز إلى رؤية مورهيد التي ربطت بين طفولة شاشا في قرية “راكالموتو” الصقلية وبين وعيه المبكر بـ “الدولة الموازية”. ففي مناجم الكبريت وفي شوارع القرية، أدرك شاشا أن المافيا ليست مجرد عصابة، بل هي نظام حكم بديل أكثر واقعية للصقليين من حكومة روما.

وتشير المراجعة إلى نقطة مفصلية، وهي أن المافيا، التي كادت تندثر في عهد موسوليني، استعادت قوتها بفضل “سوء فهم” قوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية. فقد منحوا زعماء العصابات مناصب سياسية وإدارية ظناً منهم أنهم معارضون للفاشية، مما شرعن وجودهم داخل الدولة الحديثة.

الأدب كأداة للمكاشفة السياسية

في عام 1961، أحدث شاشا صدمة ثقافية بروايته “يوم البومة”، وهي أول عمل أدبي يصور المافيا كمنظومة مرتبطة بالسلطة السياسية. أطلق شاشا في هذا العمل تحذيره الشهير: “خط أشجار النخيل يتحرك شمالاً”، مشيراً إلى أن عدوى الفساد والجريمة ستتجاوز صقلية لتصل إلى قلب العاصمة روما.

لم يقتصر طموح شاشا على الرواية، بل دخل المعترك السياسي عبر البرلمان، لكنه سرعان ما انسحب معبراً عن اشمئزازه من “ثقافة التعتيم”. كان شاشا يمتلك أسلوباً لغوياً دقيقاً وواضحاً، وهو ما جعله متميزاً في بلد يميل للثرثرة اللغوية.

دور شاشا في كشف الفساد

أحد أبرز مساهماته الفكرية كانت في قضية اختطاف وقتل رئيس الوزراء ألدو مورو عام 1978، حيث شن هجوماً على طريقة إدارة الحكومة للأزمة، معتبراً أن الحقيقة تُذبح على مذبح المصالح السياسية. لم يتردد شاشا في انتقاد الكنيسة والدولة وحتى رفاقه في جبهة مكافحة الجرائم المنظمة إذا رأى انحرافاً في مسار العدالة.

وعندما سُئل شاشا ذات مرة عما إذا كان يخشى الاغتيال، أجاب بتهكم: “لا، المافيا لا تقرأ الكتب”. هذا القول يعكس إدراكه العميق لطبيعة الفساد المتجذر في المجتمع الإيطالي.

“الأوميرتا” الثقافية وتأثيرها

يرسم المقال صورة لشاشا كأديب يمتلك رؤية فريدة في الثقافة الأوروبية. فهو الكاتب الذي لم يكتفِ برصد الجريمة، بل فكك الشيفرات الثقافية والاجتماعية التي سمحت لها بالنمو. قصته تجسد الصراع الأزلي بين المثقف الحر ومنظومات الفساد التي تتغذى على الصمت.

تعتبر أعمال شاشا بمثابة وثيقة تاريخية مهمة لفهم تطور المافيا في إيطاليا، وكيف تمكنت من التغلغل في مختلف مؤسسات الدولة. كما أنها تذكرنا بأهمية دور الأدب في فضح الفساد والدفاع عن قيم العدالة والشفافية.

من المتوقع أن يشهد كتاب “رجل صقلي” إقبالاً كبيراً من القراء والباحثين المهتمين بتاريخ المافيا والثقافة الإيطالية. وسيساهم هذا الكتاب في إثراء النقاش حول أسباب استمرار الجريمة المنظمة في إيطاليا، والسبل الممكنة لمكافحتها. يبقى التحدي الأكبر هو كسر حاجز الصمت ومواجهة “الأوميرتا” الثقافية التي تحمي المجرمين وتعيق تحقيق العدالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى