الفيلم التونسي “اغتراب”.. قصة كل عامل ابتلعته الرأسمالية ولم تهضمه

يشهد قطاع السينما العربية تحولًا ملحوظًا نحو معالجة قضايا اجتماعية معقدة، وهو ما يتجسد في الأفلام الصادرة مؤخرًا مثل “المستعمرة” و”اغتراب”. هذه الأعمال السينمائية تعيد طرح تساؤلات حول مكانة الإنسان في مواجهة الأنظمة الصناعية الحديثة، وتأثيرها على حياته، وهو ما يذكرنا بنقد شارلي شابلن الرائد في فيلمه “الأزمنة الحديثة”. ومع ذلك، فإن الأفلام العربية الحديثة تميل إلى تقديم رؤية أكثر قتامة وواقعية لهذه الإشكاليات، وتتجنب التبسيط الكوميدي لصالح استكشاف الأبعاد المأساوية لهذه القضايا.
يُعد فيلم “اغتراب”، من إخراج مهدي هميلي وبطولة غانم الزرلي ومرام بن عزيزة، أحدث إضافة إلى هذه الموجة السينمائية. وقد حظي الفيلم بعرضه العالمي الأول في مهرجان لوكارنو السينمائي، ثم عُرض في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وهو الآن يُعرض تجاريًا في دور السينما. الفيلم يطرح أسئلة عميقة حول **الاغتراب**، والظلم الاجتماعي، وتأثير الرأسمالية على حياة الأفراد.
حادث أم جريمة؟
تدور أحداث “اغتراب” حول محمد، عامل في مصنع للصلب، يعيش حياة روتينية خاضعة لرقابة صارمة. تنقلب حياته رأسًا على عقب بعد حادث غامض يؤدي إلى وفاة زميله عادل، وإصابة محمد بجروح خطيرة، بما في ذلك شظية معدنية مستقرة في رأسه لا يمكن إزالتها.
بعد فترة غيبوبة طويلة، لا يعود محمد إلى عمله السابق كعامل إنتاج، بل ينتقل إلى وظيفة حارس أمن، وهو تحول رمزي من موقع الفعل إلى موقع المراقبة. ومع ذلك، يرفض محمد قبول الرواية الرسمية للحادث، ويبدأ في البحث عن الحقيقة، ليكتشف شبكة من الفساد والإهمال المؤسسي.
الفساد المؤسسي والإهمال المتعمد
يكشف تحقيق محمد عن أن الرأسمالية، في هذا السياق، لا تقتصر على استغلال العمال، بل تمتد إلى التسبب في موتهم بشكل واعٍ. يصبح جسد محمد، المصاب بالشظية المعدنية، رمزًا لهذا العنف المنظم، وتأثيره المدمر على الأفراد والمجتمع.
الشظية ليست مجرد بقايا حادث، بل هي تجسيد للألم المستمر، والفكرة التي لا تهدأ، والتي تذكر محمد بالظلم الذي تعرض له زميله. ومع مرور الوقت، يبدأ جسد محمد في التدهور، مما يعكس حالة التعفن التي يعيشها المجتمع، والذي اعتاد على التعايش مع الجراح بدلًا من معالجتها.
لماذا لا يتحول محمد إلى منقذ؟
يحاول الفيلم تقديم محمد كشخصية تسعى إلى تحقيق العدالة، لكنه يواجه منظومة فساد متجذرة، مما يعيق قدرته على إحداث تغيير حقيقي. هذا العجز عن التحول إلى بطل تقليدي لا يعتبر خللًا في السرد، بل هو تعبير عن الواقع المرير الذي يعيشه محمد والمجتمع الذي ينتمي إليه. الفيلم يفكك وهم العدالة الفردية، ويؤكد على صعوبة تحقيقها داخل نظام فاسد.
يستخدم الفيلم عناصر فنية مختلفة، مثل الإضاءة الداكنة، والديكور الجامد، والإيقاع البطيء، لخلق جو من الاختناق والعزلة، مما يعكس الحالة النفسية لمحمد والمجتمع. هذه العناصر تساهم في إبراز فكرة **الاغتراب** وتأثيرها المدمر على الأفراد.
تأثير الرأسمالية على الأفراد والمجتمع
يركز الفيلم على العلاقة بين الفرد والمنظومة الصناعية، والاختلال في موازين القوة بينهما. كما يسلط الضوء على الإهمال المتعمد، والتواطؤ الصامت، اللذين يساهمان في استمرار الظلم والمعاناة. الفيلم يطرح تساؤلات حول المسؤولية الاجتماعية للشركات، ودور الدولة في حماية حقوق العمال.
بالإضافة إلى ذلك، يتناول الفيلم موضوع **العدالة الاجتماعية**، ويسعى إلى كشف الحقائق المخفية وراء الحوادث التي تحدث في أماكن العمل. الفيلم يهدف إلى إثارة النقاش حول قضايا مثل السلامة المهنية، وحقوق العمال، ومكافحة الفساد.
من المتوقع أن يثير فيلم “اغتراب” جدلاً واسعًا حول قضايا **الظلم الاجتماعي**، و**الاغتراب**، وتأثير الرأسمالية على حياة الأفراد. من المرجح أن يشجع الفيلم على إجراء المزيد من البحوث والدراسات حول هذه القضايا، وأن يدفع إلى اتخاذ إجراءات ملموسة لتحسين أوضاع العمال وحماية حقوقهم. من المنتظر أن يتم عرض الفيلم في المزيد من المهرجانات السينمائية الدولية، وأن يحظى بتوزيع أوسع في دور السينما. سيراقب النقاد والجمهور ردود الفعل على الفيلم، وتقييم تأثيره على النقاش العام حول هذه القضايا الهامة.





