ماذا جرى في الفاشر؟ تقارير أممية وشهادات ميدانية تكشف الحقائق

خلص تحقيق مستقل مدعوم من الأمم المتحدة إلى أن الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مع وجود مؤشرات قوية تدل على سمات الإبادة الجماعية. يأتي هذا التقرير في ظل تصاعد العنف المستمر في السودان، وتوثيق أممي لمقتل الآلاف خلال الهجوم على الفاشر، بعد حصار استمر لأكثر من عام ونصف، مما يجعلها واحدة من أسوأ المحطات في هذا الصراع.
وقالت ممثلة مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في السودان، لي فونغ، إن بعثة تقصي الحقائق المستقلة ومكتب المفوضية وثقا تفشي العنف بعد لقاءات مع الضحايا خلال شهري نوفمبر وديسمبر الماضيين. وتأتي هذه النتائج في وقت يزداد فيه القلق الدولي بشأن الوضع الإنساني والأمني المتدهور في دارفور.
فظائع مروعة في الفاشر
أكدت فونغ رصد “سلسلة متواصلة من الجرائم” تشمل القتل الجماعي والإعدامات خارج نطاق القانون، والعنف الجسدي، والاغتصاب، والتعذيب، والاعتقالات العشوائية، والاختطاف، وطلب الفدية، بالإضافة إلى الاعتداءات على الأطفال. وأشارت إلى مقتل ما يقرب من 6 آلاف شخص خلال ثلاثة أيام فقط من القتال في الفاشر، مع تقديرات تشير إلى أن العدد الفعلي للضحايا قد يكون أعلى بكثير.
وبحسب التوثيق الأممي، استهدفت العديد من الهجمات مجتمعات غير عربية، بالإضافة إلى الأفراد الذين يُنظر إليهم على أنهم مرتبطون بالجيش السوداني. ويعتبر هذا النمط من الاستهداف أحد المؤشرات التي دفعت إلى توصيف ما جرى بأنه قد يرقى إلى الإبادة الجماعية، وهو ما يثير قلقًا بالغًا لدى المنظمات الحقوقية الدولية.
وأشارت فونغ إلى أن هذا النمط من الجرائم سبق توثيقه في هجمات على الجنينة وغرب دارفور، وكذلك في مخيم زمزم، مما يعكس امتداد الانتهاكات زمنياً وجغرافياً. وتشير هذه التطورات إلى الحاجة الملحة لوقف إطلاق النار وحماية المدنيين.
الوضع الإنساني المتدهور
من جانبها، قالت ماتيلد فو، مديرة المناصرة بالمجلس النرويجي للاجئين في السودان، إن ما عاينته بعد زيارة دارفور عقب سيطرة الدعم السريع على الفاشر كان معاناة وفظائع وانتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان. وأضافت أن المدينة شهدت أكثر من 500 يوم من الحصار والتجويع والقصف العشوائي والإعدامات خارج نطاق القانون.
ووصفت فو مشاهدتها لعائلات تقطع مسافات طويلة هربًا من القتال، بينما يُعدم بعض أفرادها في الطريق، إلى جانب مقتل أطفال تحت قصف المسيرات، وهجمات استهدفت مدنيين حاولوا الفرار. وتؤكد هذه الشهادات على حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها سكان دارفور.
واعتبرت أن التحقيق الأممي “يؤكد ما نقوله منذ زمن طويل بأن هذه الحرب في السودان هي ضد المدنيين”، مشددة على أن مستوى العنف والإفلات من العقاب “غير مقبول بالمرة”. وتدعو المنظمات الدولية إلى محاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات.
تحديات وصول المساعدات الإنسانية
كما لفتت فو إلى استمرار تعثر وصول المساعدات الإنسانية رغم محاولات المنظمات الإغاثية، في ظل ظروف عمل شديدة الصعوبة، نتيجة قصف منشآت وقوافل الإغاثة والاعتداء على المتطوعين. وأقرت بوجود عجز مالي يمنع تلبية الاحتياجات المتزايدة للناجين. ويشكل هذا العجز تهديدًا خطيرًا لجهود الإغاثة الإنسانية.
وعقب سقوط الفاشر بيد الدعم السريع، توالت الشهادات عن الإعدامات الميدانية والعنف الجنسي والنهب والخطف واستهداف عمال الإغاثة، مما أدى إلى انتقال ملف الفاشر من كونه تطورًا ميدانيًا إلى قضية إنسانية وحقوقية دولية تُبحث في مجلس حقوق الإنسان والمحكمة الجنائية الدولية. وتشير هذه التطورات إلى تدويل القضية وضرورة تدخل المجتمع الدولي.
وفي منتصف نوفمبر الماضي، اعتمد مجلس حقوق الإنسان قرارًا يُلزم بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان بإجراء تحقيق شامل. وفي ديسمبر الماضي، أظهرت صور أقمار صناعية انتشار عشرات الأكوام من الجثث في شوارع الفاشر، مما يؤكد حجم الكارثة.
من المتوقع أن يقدم فريق تقصي الحقائق التابع للأمم المتحدة تقريرًا مفصلاً عن الانتهاكات التي ارتكبت في الفاشر خلال الأشهر القادمة. وستكون هذه النتائج حاسمة في تحديد الخطوات التالية، بما في ذلك إمكانية إحالة القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية. ومع ذلك، لا يزال الوضع في السودان غير مستقر، وتظل آفاق السلام بعيدة المنال، مما يجعل من الصعب التنبؤ بالتطورات المستقبلية.





