الثاني من رمضان.. كسر الإعصار المغولي وصمت الآذان بعد “بلاط الشهداء”

شهد شهر رمضان على مر التاريخ الإسلامي لحظات فارقة ومصيرية، بدءًا من فتح الأندلس في مستهل الشهر الكريم عام 91هـ/710م، وصولًا إلى معارك الشام التي حقق فيها المسلمون انتصارات عظيمة. يُعتبر شهر رمضان، تاريخيًا، شهر الفتوحات الكبرى، حيث ارتبطت به أحداث عظيمة غيرت مجرى التاريخ. هذه الأحداث ليست مجرد ذكريات تاريخية، بل هي دروس مستفادة في الصمود والإيمان.
في الشام، تبرز معركة شقحب التي وقعت في رمضان عام 702هـ (1303م)، والتي أنهت الطموحات المغولية في السيطرة على الشام ومصر. هذه المعركة، وغيرها من الأحداث الرمضانية، تُظهر أهمية هذا الشهر في تاريخ الأمة الإسلامية، وتُذكرنا بتضحيات الأجداد في سبيل حماية الدين والوطن.
الرهان على ابتلاع الشام
عاش العالم الإسلامي فترة عصيبة في القرن السابع الهجري، حيث واجه خطرًا داهمًا تمثل في الغزو المغولي الذي اجتاح العديد من الدول والممالك. سقطت الخلافة العباسية والدولة الأيوبية تحت وطأة هذا الغزو، مما أثار الرعب في قلوب المسلمين.
ورغم الانتصار الحاسم في معركة عين جالوت عام 658هـ، استمر المغول في تهديد دولة المماليك ومحاولة استعادة نفوذهم في بلاد الشام. كانت هذه الفترة مليئة بالتوترات والمواجهات الحدودية، مما استدعى يقظة المماليك واستعدادهم لمواجهة أي خطر جديد.
في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون، بلغت الأزمة ذروتها، حيث حشد خان المغول غازان جيوشًا كبيرة تجاوزت 100 ألف مقاتل، بقيادة القائد قطلوشاه. استغل المغول حالة الاضطراب التي كانت تعيشها دولة المماليك، وعبروا الفرات متجهين نحو حماة، ثم توجهوا نحو مشارف دمشق.
“شيخ الإسلام” في خط المواجهة
لم تكن معركة شقحب مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت صراعًا فكريًا وتعبويًا. برز دور العلامة تقي الدين ابن تيمية في هذه المعركة، حيث اضطلع بمهام جسيمة لرفع معنويات المسلمين وحشد الدعم لهم.
- حسم الحيرة الفكرية: واجه ابن تيمية الشبهات التي أثارها المترددون حول قتال المغول، وأفتى بأنهم يستحقون القتال لحماية الدين.
- التعبئة والتحريض: تجول بين الجنود والأمراء يشجعهم ويثبت عزيمتهم، مؤكدًا لهم النصر.
- القدوة الميدانية: لم يكتفِ بالكلمات، بل أفطر أمام الجنود ليفتيهم بوجوب الفطر للتقوي على القتال، وشارك بنفسه في المعركة.
وقال ابن تيمية كلمته الشهيرة: “إذا رأيتموني في ذلك الجانب (جانب العدو) وعلى رأسي مصحف فاقتلوني”، وهي كلمات أثارت حماس المسلمين وثبتت أقدامهم في وجه العدو.
شقحب.. ملحمة السبت الرمضاني
في مطلع رمضان عام 702هـ، التقى الجيشان في سهل شقحب جنوب دمشق. كان السلطان الناصر محمد في قلب الجيش، ومعه الخليفة العباسي المستكفي بالله. بدأت المعركة في يوم السبت، وشهدت تقلبات كبيرة في الميدان.
في البداية، مالت الكفة لصالح المغول، لكن ثبات السلطان الناصر أعاد التوازن للميدان. مع غروب الشمس، لجأ المغول إلى جبل غباغب، فأحاط بهم المماليك من كل جانب. في صباح اليوم التالي، تمكن المماليك من القضاء على ما تبقى من المغول، إما بقتلهم أو أسرهم أو إغراقهم في الفرات.
ما بعد شقحب
أكد المؤرخون أن معركة شقحب كانت نقطة تحول في الصراع بين المسلمين والمغول. لم يتمكن المغول من استعادة نفوذهم في بلاد الشام بعد هذه الهزيمة، وبدأت قوتهم في التراجع تدريجيًا.
عاد السلطان الناصر إلى دمشق في 5 رمضان في موكب مهيب، والخليفة العباسي بين يديه، ليعلن للعالم انتصار المسلمين. أصبحت دمشق والقاهرة من جديد مركزين هامين للحضارة الإسلامية.
التحولات السياسية الكبرى
- تولي عبد الملك بن مروان الخلافة: بويع عبد الملك بن مروان بالخلافة في الثاني من رمضان عام 65هـ/685م، مما أنهى فترة الفتن التي عصفت بالدولة الإسلامية.
- قرار صلاح الدين الأيوبي بهدم عسقلان: هدم السلطان صلاح الدين الأيوبي مدينة عسقلان في رمضان عام 587هـ/1191م، خشية أن يتخذها الصليبيون قاعدة لغزو بيت المقدس.
- بناء مدينة القيروان: شرع الفاتح عقبة بن نافع في بناء مدينة القيروان في رمضان عام 50هـ/670م، لتكون نقطة انطلاق لنشر الإسلام في شمال أفريقيا.
تُظهر هذه الأحداث الرمضانية مدى أهمية هذا الشهر في تاريخ الأمة الإسلامية. إنها تذكير دائم بتضحيات الأجداد في سبيل حماية الدين والوطن، وتشجيع للأجيال القادمة على السير على خطاهم. من المتوقع أن تستمر الدراسات التاريخية في الكشف عن المزيد من التفاصيل حول هذه الأحداث، مما سيعزز فهمنا لتاريخنا المجيد. وسيظل شهر الفتوحات الكبرى رمزًا للأمل والنصر في قلوب المسلمين.





