الشيخ المقرئ جعفر هاشم.. “بصمة نابلس الصوتية”

الشيخ جعفر هاشم: صوت نابلس الطيب ومسيرته الروحية والإعلامية
في قلب نابلس القديمة، وسط أزقة حارة القريون المفعمة بالتاريخ، نشأ الشيخ جعفر هاشم ليصبح اليوم صوتاً روحياً وإعلامياً بارزاً. لأكثر من خمسة وعشرين عاماً، طاف صوته عبر أثير إذاعة القرآن الكريم من نابلس، مقدماً برنامج “الكلمة الطيبة”، ليلامس قلوب أجيال عديدة ويترسخ كمرجع مجتمعي. لم يكن صوته مجرد تلاوة، بل بصمة صوتية أثرت في وجدان المدينة الصامدة.
المحراب الأول: بوادر الإمامة المبكرة
في حادثة بسيطة لكنها مؤثرة، وجد الفتى جعفر نفسه في محراب مسجد التينة للمرة الأولى. رغم صغر سنه، أمره أحد كبار السن بالإمامة، مؤكداً أن “في دار هاشم لا يوجد صغير”. فور صدحه بصوت تأثر فيه بمدرسة المقارئ الكبار، ساد المسجد سكينة عميقة، وأثارت تلاوته استغراب المصلين، معلنةً ميلاد صوت سيحتل مكانة خاصة في قلوب نابلس.
دموع الخشية وإتقان مخارج الحروف: تربية روحية متجذرة
شكلت تربيته المنزلية في دار هاشم العريقة أساساً لتكوينه الروحي. تحت أنظار جده، تعلم جعفر معنى “الخشية من الله” ليس من الكتب، بل من الدموع الصادقة التي كانت تنهمر من عينيه أثناء قراءة القرآن. هذا التأثر العميق، ممزوجاً بحبه للإنشاد الصوفي والأدائي، صقل موهبته وجعل من تلاوته للقرآن مزيجاً فريداً يجمع بين وقار المحراب وعاطفة المنشد.
مشروع إصلاحي: من التعليم إلى الإمامة والتأثير المجتمعي
بعد سنوات من العمل في مجال التربية، انتقل الشيخ جعفر هاشم ليصبح إماماً لمسجد التينة، استجابةً لمطالب الأهالي الذين ألفوا صوته. ومن منبر المسجد، أطلق مبادرات روحية، أبرزها صلاة “قيام الليل” التطوعية كل خميس، حيث كان يفسح المجال للشباب الحفظة للإمامة، مما عزز ارتباطهم بالوحي وبعث الحياة في صلاة القيام.
يشهد له جاره وتلميذه، جعفر حجير، بأنه لم يكن مجرد إمام، بل وجه مألوف يبعث الطمأنينة، وصديق للجميع في حارته. لقد نجح الشيخ في بناء جسور من المودة، وأصبحت التحية له في أزقة نابلس طقساً يومياً يعزز الشعور بالارتباط بالوطن. كانت ليالي رمضان معه في المسجد رحلة شحن للهمم، تجمع بين الصلاة والخشوع والمواعظ القلبية، بأسلوب ممتع ومتنوع.
الكلمة الطيبة.. عبقرية الأداء في “الصوت الذي يُرى”
بالإضافة إلى دوره في المسجد، يبرز الشيخ جعفر هاشم كأيقونة إذاعية عبر برنامج “الكلمة الطيبة” الذي يقدمه منذ حوالي 25 عاماً. يصف زميله في إذاعة القرآن الكريم، الشيخ محمد ملاح، بصمة الشيخ الصوتية بأنها واضحة ومؤثرة. يتميز أداؤه بالقدرة على تجسيد المعاني، فقد استطاع أن يجعل صوته “مسموعاً” و”مرئياً” من خلال نبرته المتزنة، ووقفاته المدروسة، وابتسامته الدائمة.
لقد نجح في ربط الدين بالحياة اليومية عبر مشاركات صوتية قصيرة ومشروعات مثل “رسائل الإيمان”، مما جعله مرجعاً أخلاقياً لجمهوره. برنامجه في رمضان يتخذ طابعاً خاصاً، يلامس روح الشهر الفضيل بهدوء وعمق، محافظاً على مكانته كـ”كلمة طيبة” لنابلس.
أيقونة نابلسية: امتداد لتاريخ عريق
ينتمي الشيخ جعفر هاشم إلى عائلة “هاشم” العريقة في نابلس، وهي عائلة لها تاريخ طويل في العلم والفتوى، حيث كان بين أفرادها مؤسسو جامعة النجاح ومفتون سابقون. هذا الإرث الاجتماعي والديني صاغ شخصيته، وجعله امتداداً طبيعياً لجيل حمل لواء العلم. صوته المرتبط بجدران البلدة القديمة وأزقتها جعله رمزاً معنوياً لقيم نابلس الأصيلة.
ماذا بعد؟
يبقى تأثير الشيخ جعفر هاشم مستمراً في الأوساط الدينية والإعلامية في نابلس. يتطلع المتابعون إلى استمرارية برنامجه “الكلمة الطيبة” وبرنامجه الرمضاني، مع ترقب لأي مبادرات جديدة قد يطلقها لتعزيز الوعي الديني والروحي في ظل الظروف والتحديات التي تواجه المدينة.





