مفهوم المعرفة في الفلسفة.. أبعادها وأنواعها ومستوياتها

المعرفة هي حجر الزاوية في فهم الإنسان للعالم، وهي الوسيلة التي تمكن العقل من تفسير الظواهر والتنبؤ بالمستقبل. رغم اعتبارها من أكثر المفاهيم إثارة للجدل في الفلسفة، إلا أن التعريف الأكثر شيوعًا يعتبرها “الاعتقاد المبرر”، وهو ما أكده الفيلسوف أفلاطون بضرورة الإيمان والصدق والتبرير.
تختلف رؤى الفلاسفة حول المعرفة؛ فقد اعتبر جون لوك المعرفة “إدراك التوافق بين فكرتين”، بينما اعتبرها جون ديوي “نتاج عملية عقلية تفاعلية تربط بين الخبرة والدليل”. تتجلى المعرفة في أربعة أبعاد رئيسية: آليات اكتسابها، وأشكالها وأنواعها، وغاياتها ووظائفها.
أبعاد المعرفة
تمتد المعرفة لتشمل خبرة منظمة عبر اللغة، وتتجسد في أنشطة ومهارات يدوية وذهنية. ومع تراكم التجارب، نشأت أجساد معرفية ثرية. وترتبط المعرفة بثلاثة أبعاد أساسية: آليات اكتسابها وتوليدها، وأشكالها وأنواعها، وغاياتها ووظائفها.
مستويات المعرفة
تتعدد السبل لاكتساب المعرفة، أبرزها الإدراك الحسي، والعقل، والمنطق، واللغة. يبدأ الطفل بالاعتماد الكبير على الإدراك الحسي، ويتطور تدريجياً لاستخدام مزيج من هذه الوسائل. تلعب اللغة دورًا في تشكيل الفكر، وقوة الحجة تزيد من وضوح الإدراك.
ينبغي تدريب المتعلمين على التقييم النقدي للمعرفة، وأن يدركوا أن لكل نوع من المعرفة طرقه الخاصة في الحكم والتقدير. هذا يساعدهم على مقارنة المعرفة الجديدة بالمسائل المعرفية وفهم طبيعة كل منها وفق سياقها.
الإدراك الحسي
يعتبر الإدراك الحسي عملية نشطة وتفسيرية لتسجيل العالم عبر الحواس الخمس. يعتمد هذا التصور على هياكل الدماغ الداخلية، وقدراتنا الفطرية، والحالة الذهنية. بينما الإحساس تجربة حسية بسيطة، فإن الإدراك بناء معقد لتجارب بسيطة لتكوين تجربة ذات معنى.
يختلف الإدراك الحسي من فرد لآخر، وتؤثر الظروف البدنية والمستوى التحفيزي والحالة الذهنية على طريقة إدراكنا. وعلى الرغم من كونه أبسط وأسرع طرق المعرفة، إلا أنه قد لا يكون دائمًا مصدرًا موثوقًا.
اللغة
تلعب اللغة دورًا محوريًا كوسيط لنقل المعرفة، فهي تتضمن معاني متفقًا عليها تهدف للتواصل وصياغة الأفكار. تتيح اللغة دمج المعرفة من مصادر مختلفة وتساعد على التعبير عنها وهيكلتها.
تسهل اللغة عملية المعرفة، حيث يتطور المعنى من خلالها، مما يساعد على رسم الفروق وتصنيف الأمور. عند نشوء نزاعات حول ادعاءات معرفية، فإن النقاش يشمل الحقائق والمنطق والأسباب المقدمة، ويمكن للغة تسوية هذه النزاعات.
العاطفة
تلعب العواطف دوراً فعالاً في تشكيل الفكر وتوجيه السعي نحو المعرفة. قد تكون العاطفة مفتاحاً لفهم الذات والعالم، ولكن التعبير عنها يختلف ثقافياً، مما يجعل المعرفة المكتسبة منها ذاتية وأقل قابلية للقياس.
يمكن للعواطف أن تكون عاملاً مساعداً أو عائقاً في بناء المعرفة. إثارة العواطف الإيجابية مثل الفضول والحماس تسهل انتقال المعرفة وتعزز التعلم. من مسؤولية المعلم خلق مشاعر إيجابية تجاه المعرفة المراد تعلمها.
العقل والمنطق
يعد العقل والمنطق من أهم الوسائل لاكتساب وتنظيم المعرفة، فهما يمكّنان الإنسان من الاستنتاج والانتقال من مقدمات صحيحة إلى استنتاجات صحيحة. يتضمن المنطق الاستنباطي، حيث الاستنتاج يتبع منطقياً المقدمات، وكذلك الاستدلال الاستقرائي الذي يبدأ من ملاحظات محددة للوصول إلى تعميم عام.
أنواع المعرفة
تصنف المعرفة إلى ثلاثة أنواع رئيسية: المعرفة الشخصية، وهي جمع المعلومات وتنظيمها واستخدامها في الأنشطة اليومية؛ والمعرفة الإجرائية، وهي معرفة “كيفية القيام بشيء ما” وتمتلك مهارة فعلية؛ والمعرفة الافتراضية أو الحقائقية، وهي معرفة الحقائق مثل “أعلم أن مجموع زوايا المثلث 180 درجة”.
المعرفة الشخصية تركز على التطور الذاتي للفرد، بينما المعرفة الإجرائية تتطلب الخبرة العملية. وتعتبر المعرفة الافتراضية محور اهتمام علم المعرفة لأنها ترتبط بالحقائق التي يمكن التحقق منها.
رغم وجود فروقات بين هذه الأنواع، فإنها غالباً ما تتداخل. فالمعرفة الشخصية تتضمن حقائق افتراضية، والمعرفة الإجرائية تتطلب فهم بعض الحقائق. ومع ذلك، المعرفة الافتراضية وحدها لا تكفي لاكتساب المعرفة الشخصية أو الإجرائية، بل تشكل قاعدة ضرورية.
إن مستقبل الإنسانية يرسم بخطوط السعي المتجدد للفهم والاكتشاف والإبداع، مما يجعل المعرفة جسراً بين الماضي والحاضر والمستقبل، وعنواناً لمسيرة الإنسان في البحث عن الحقيقة.





