أفلام مهرجان كان 79.. غياب أمريكي وانحياز لسينما المؤلف

تكرس الدورة الحالية لمهرجان كان السينمائي الدولي لعام 2026 هيمنة “سينما المؤلف” والمبدعين المستقلين، في خطوة فنية واعية تعكس رغبة المهرجان في الابتعاد عن بريق الأستوديوهات الكبرى والتركيز على جوهر القضايا الإنسانية.
وبينما يعيش العالم حالة من “عدم اليقين الشديد” وسط أنباء غير مطمئنة، أشارت رئيسة المهرجان، إيريس نوبلوخ في المؤتمر الصحفي لإعلان قائمة أفلام الدورة الجديدة، إلى أن اجتماع الفنانين في مهرجان “كان” ليس ترفا بل هو ضرورة قصوى، تماما كما كانت ظروف نشأة المهرجان عام 1939 في قلب الأزمات السياسية العالمية.
اقرأ أيضا
list of 4 itemsend of list
ويقدم مخرجو “كان” هذا العام رؤية تنطلق من مبدأ أن عرض الأفلام من مختلف أصقاع الأرض هو فعل دفاعي عن أثمن ما تملكه البشرية، وهو “حرية الفكر”. وتتجلى هذه الرؤية من خلال مجموعات من الأفلام التي تشتبك مع هموم الماضي والحاضر، وتصيغ أحلاما لمستقبل يلفه الغموض.
هموم تاريخية
تشكل هموم التاريخ والذاكرة السياسية أحد الأعمدة الأساسية في المسابقة، وتقدم أعمالا تبرز كيف يواجه الإنسان أشباح الماضي لفهم انكسارات الحاضر. ويتصدر هذا التوجه المخرج البولندي باويل بافليكوفسكي في فيلمه “أرض الآباء” (Fatherland)، الذي تلعب بطولته الممثلة ساندرا هولر، ويقدم دراما عميقة تدور أحداثها بالتوازي مع الحرب الباردة، ليعكس هموم التمزق الإنساني بين الأيديولوجيات المتصارعة.
يستند الفيلم إلى أحداث تاريخية حقيقية، ويتابع رحلة الروائي الألماني -الحائز على جائزة نوبل- توماس مان رفقة ابنته الكبرى عبر الأراضي الألمانية في فترة الحرب الباردة. لا تركز القصة فقط على المعالم الجغرافية للرحلة، بل تراقب العلاقة بين الأب وابنته.
ويستعرض العمل التناقضات الصارخة بين موقف الابنة “إريكا”، الممثلة والصحفية الشجاعة التي حاربت النازية بضراوة وبشكل علني ومباشر، وبين موقف والدها الذي اختار العزلة والبقاء في سويسرا الآمنة للكتابة وتجنب المواجهة المباشرة.
ويعود المخرج البلجيكي إيمانويل مار في فيلمه “خلاصنا” (Notre Salut) إلى التاريخ الفرنسي، ليسلط الضوء على تحول الهم التاريخي إلى مادة حية للمساءلة والوعي، وهي عودة فنية إلى الماضي لاستعادة البوصلة الأخلاقية في عالم يبدو وكأنه يفقد اتجاهاته.
تبدأ القصة بوصول بطل الفيلم، “هنري مار”، وحيدا إلى مدينة فيشي الفرنسية، وهي المدينة التي أصبحت عاصمة للحكومة المتعاونة مع الاحتلال الألماني آنذاك (حكومة فيشي). يحمل هنري طموحات سياسية واجتماعية كبيرة، ساعيا لإيجاد مكانة مرموقة لنفسه في ظل النظام الحاكم الجديد والمضطرب.
يحمل في حقيبته مخطوطة سياسية ألفها بنفسه تحت عنوان “خلاصنا”، ويطمح بشدة إلى نشرها ليصل صوته للجميع. يزعم هنري من خلال أفكاره ومخطوطته أنه يسعى بصدق لإنقاذ فرنسا من الانهيار والهزيمة المنكرة التي لحقت بها، ولكن مع تطور الأحداث تنكشف النوايا.
هموم وآمال
وعلى مستوى الهموم الصحية والاجتماعية التي تلمس الفرد في عزلته، يبرز المخرج إيرا ساكس، الممثل الوحيد للسينما الأمريكية في المسابقة، بفيلم “الرجل الذي أحبه” (The Man I Love)، وهو عمل يوصف بأنه “خيال موسيقي” من بطولة المصري الأمريكي رامي مالك. يتناول العمل أزمة مرض الإيدز في مدينة نيويورك في الثمانينيات من القرن الماضي. ويعكس تحويل هذا الهم الصحي المؤلم إلى قالب موسيقي.
ويقدم المخرج الإسباني رودريغو سوروغوين في فيلمه “المحبوب” (The Beloved)، قصة مخرج مشهور يجسد دوره الممثل خافيير بارديم، وهو يعيش حالة من الجفاء مع ابنته، مما يطرح تساؤلات حول الثمن الشخصي للنجاح الإبداعي وهموم التفكك الأسري.
أما أحلام البحث عن السكينة، فتتجسد بوضوح في فيلم “فيورد” (Fjord)، وهو العمل الأول باللغة الإنجليزية للمخرج الروماني كريستيان مونغيو، ويمثل هذا العمل حلم الإنسان المعاصر في “البداية الجديدة” والهروب من ضجيج الأزمات نحو الطبيعة والهدوء النفسي. وتدور أحداث الفيلم حول قصة حقيقية لعائلة رومانية مهاجرة تعيش في النرويج تعرضت للتحقيق وتواجه تدقيقا من النظام القضائي المحلي

ويستعرض المخرج الياباني ريوسوكي هاماغوتشي في فيلمه الناطق بالفرنسية “فجأة” (All of a Sudden) حلم التحول الذاتي، وذلك من خلال سردية إنسانية مؤثرة. تدور القصة حول امرأة فرنسية تدير دارا لرعاية المسنين في فرنسا، وتواجه ضغوطا هائلة وتحديات يومية قاسية بسبب النقص الحاد في أعداد الموظفين والكوادر الطبية. وسط هذه الفوضى الإدارية والإنهاك النفسي، تتقاطع مساراتها فجأة مع مخرجة مسرحية يابانية تعاني من مرض السرطان في مراحله النهائية وتصارع من أجل إيجاد معنى لأيامها الأخيرة.
ينسج الفيلم شبكة معقدة من التفاعلات الإنسانية بين هاتين المرأتين اللتين تنتميان لثقافتين مختلفتين وتواجهان نوعين مختلفين تماما من المعاناة والموت البطيء.
تتجاوز السينما في هذه الدورة حدود الواقع لتستشرف هموم المستقبل وأحلامه من خلال علاقة البشر بالتكنولوجيا، وهو ما يطرحه المخرج هيروكازو كوري إيدا في فيلمه “خروف في الصندوق” (Sheep in the Box)، الذي تدور أحداثه في “المستقبل القريب” حول زوجين يقرران تبني إنسان آلي متطور للغاية ليكون ابنا لهما، مما يفتح الباب أمام تساؤلات وجودية حول طبيعة العاطفة البشرية في عصر الذكاء الاصطناعي.
ويحمل فيلم “الأمل” (Hope)، للمخرج الكوري الجنوبي نا هونغ جين، الذي يجمع لأول مرة مايكل فاسبندر وأليسيا فيكاندر، رمزية كبرى من خلال عنوانه، لكونه يمثل حلم العودة القوية لهذا المخرج بعد عقد من الزمان، ويجسد تطلع السينما الآسيوية لاستعادة مكانتها في المنافسة على السعفة الذهبية تحت إشراف لجنة تحكيم يرأسها بارك تشان ووك. ويمزج “الأمل” بين الدراما والرعب النفسي، حيث تدور الأحداث حول قرية تواجه تهديدا غامضا.
التمثيل النسائي
لا يعكس المهرجان في دورته لعام 2026 الهموم والأحلام من خلال قصص الأفلام فحسب، بل من خلال بنيته التنظيمية التي تطمح “لتحقيق عدالة إبداعية شاملة”، إذ استقبل المهرجان 2541 فيلماً من 141 دولة، في حيوية تقترب من أرقام الألعاب الأولمبية.
ويتجلى حلم المساواة والتمثيل النسائي من خلال مشاركة خمس مخرجات في المسابقة، من بينهن الفرنسية ليا ميسيوس بفيلم “حكايات الليل” (Histoire de la nuit)، المأخوذ عن رواية للكاتب لوران موفينييه، وهو من تأليفها وإخراجها.
يجمع الفيلم فريق تمثيل يضم الممثلة الإيطالية مونيكا بيلوتشي، والممثل باستيان بويون. تدور الأحداث في بيئة مستنقعات نائية ومعزولة جغرافيا، حيث تعيش عائلة تتكون من “توماس” و”نورا” وابنتهما المراهقة “إيدا”.
يقتصر تفاعل هذه العائلة الاجتماعي على جارتهم الوحيدة، وهي رسامة إيطالية تدعى كريستينا. يقرر أفراد الأسرة التخطيط لإقامة حفلة عيد ميلاد مفاجئة للأم “نورا”، ولكن بدلاً من الاحتفال السعيد، تبدأ أحداث غامضة واضطرابات مرعبة في الوقوع، لتقلب هدوء هذا المجتمع الصغير والمنعزل إلى سلسلة من الأحداث الكابوسية المرعبة بمجرد هبوط الليل.
وتقدم الفرنسية الثانية شارلين بورغوا تاكيه فيلم “حياة امرأة” (A Woman’s Life)، وتدور أحداثه في إطار درامي مقسم إلى 11 فصلا، ويقدم صورة شخصية دقيقة ومعاصرة ونابضة بالحياة لامرأة تعيش في منتصف العقد الخامس من عمرها، وكيفية تعاملها مع مرور الزمن وتلاشي الأحلام.

المخرج الإسباني بيدرو ألمودوفار في قائمة المشاركين في المهرجان بفيلمه “عيد ميلاد مر” (Amarga Navidad)، والذي تدور أحداثه حول امرأة تعود إلى مسقط رأسها في فترة عيد الميلاد بعد سنوات من القطيعة مع عائلتها، لتجد نفسها أمام أسرار مدفونة وذكريات مؤلمة تعيد تشكيل هويتها من جديد.
النجومية مقابل سينما المؤلف
وتظهر المقارنة بين دورتي مهرجان كان لعامي 2025 و2026 تحولاً جوهرياً في طبيعة الموضوعات والتوجهات السينمائية المهيمنة على المسابقة الرسمية، إذ انتقل المهرجان من زخم “الإنتاجات الكبرى” إلى عمق “سينما المؤلف”.
وبينما اتسمت دورة 2025 بحضور هوليوودي طاغٍ، برزت فيه أفلام الأستوديوهات الكبرى مثل فيلم توم كروز “مهمة مستحيلة: الحساب النهائي” (Mission: Impossible: The Final Reckoning) وفيلم سبايك لي “من الأعلى إلى الأدنى” (Highest 2 Lowest)، نجد أن دورة 2026 تنحاز بشكل كامل للسينما الدولية والمخرجين المستقلين.
إيرا ساكس هو المخرج الأمريكي الوحيد في المسابقة بفيلم “الرجل الذي أحبه” (The Man I Love). ويعكس الاختلاف الواضح تغيرا في “هوية” الهموم المطروحة؛ ذلك أن عام 2025 شهد موضوعات تميل نحو الجذب التجاري والنجومية المطلقة، رغم أن الأفلام التي حققت أكبر قدر من التفاعل والتقدير النقدي كانت أعمالا مستقلة وغير ناطقة بالإنجليزية مثل فيلم “قيمة عاطفية” الذي فاز بأوسكار أفضل فيلم دولي.
أما في دورة 2026، فقد انتقلت الانشغالات الموضوعاتية من سينما الاستوديوهات إلى سينما القضية والبحث الوجودي والتاريخي، إذ تحول المهرجان إلى منصة للدفاع عن “حرية الفكر” في مواجهة عدم اليقين العالمي.





