Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
ثقافة وفنون

فيلم “العروس”.. قراءة فنية جديدة لفرانكشتاين

ينتمي فيلم “العروس!” (!The Bride) إلى موجة معاصرة من إعادة تخيّل الكلاسيكيات السينمائية، لكن ما يميّزه منذ لحظته الأولى هو اختياره الانحياز إلى الهامش بدلا من المركز، وإلى الأصوات الخافتة في الرواية الأصلية.

الفيلم من إخراج ماغي غيلنهال، وبطولة جيسي باكلي -الحائزة على جائزة الأوسكار هذا العام عن فيلم “هامنت”- إلى جانب كريستيان بايل وجايك غيلنهال، ويعيد الاشتباك مع عالم رواية “فرانكشتاين” باعتبارها نصا قابلا لإعادة الكتابة من منظور معاصر.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

“العروس” في مركز الحكاية

تعيد قصة فيلم “العروس!” الاشتباك مع عالم رواية “فرانكشتاين” لماري شيلي من زاوية تضع “العروس” في قلب الحكاية. في النص الأصلي، كانت فكرة إيجاد رفيقة للوحش تمثل جوهر الصراع بين الدكتور فرانكشتاين والوحش الوحيد، الذي يطالب بحقه في شريكة تخفف من عزلته، بينما يرفض الطبيب هذا الطلب خوفا من تداعيات ذلك على العالم إن خرجت العلاقة عن السيطرة.

ينطلق الفيلم من هذه اللحظة تحديدا، لكنه لا يكتفي بإعادة تمثيلها، بل يمدّها إلى أفق سردي جديد، متسائلا: ماذا لو وجد الوحش طريقا آخر لتحقيق رغبته؟

ينقل العمل الأحداث إلى ثلاثينيات القرن العشرين، في بيئة حضرية صاخبة ومشبعة باليأس نتيجة الكساد الاقتصادي الكبير الذي ساد العالم بعد الحرب العالمية الأولى، لكنه في الوقت ذاته عالم أكثر انفتاحا على التجريب العلمي.

هنا يلجأ الوحش (كريستيان بايل) إلى عالمة (آنيت بيننغ) تتجاوز في رؤيتها وأدواتها حدود الدكتور فرانكشتاين، طالبا منها أن تحقق له ما حُرم منه سابقا: عروسا تشاركه الوجود. لكن هذه العروس لا تأتي بعقل فارغ أو بتاريخ يمكن إعادة كتابته بسلاسة، بل تحمل ماضيا مثقلا بالجريمة والعنف، كمدينة شيكاغو نفسها في تلك الحقبة، التي صورتها أفلام العصابات آنذاك مدينة تحكمها المافيا والعنف المنظم.

الملصق الترويجي لفيلم “العروس!” (الجزيرة)

إيدا (تلعب دورها جيسي باكلي)، التي تصبح لاحقا العروس، هي فتاة استغلتها العصابات والشرطة أيضا. ورغم أنها تنسى كثيرا من هذا الماضي، فإنها تحتفظ ببذرة هذا العنف والظلم في داخلها.

ومن هنا يبدأ الوحش وعروسه مسارا مختلفا تماما عن الأصل؛ فالعروس التي وجدت لتكون “مكملة” ترفض أن تختزل في هذا الدور، مما يدفع الثنائي إلى صراع مفتوح مع عالم لا يعترف بوجودهما من الأساس.

تتحول القصة تدريجيا إلى رحلة هروب ومطاردة، ويجد الوحش والعروس نفسيهما في مواجهة مجتمع يطارد كل ما هو خارج عن معاييره، ومن ثم لا يقدّم الفيلم مجرد إعادة سرد للحكاية المعروفة، بل يعيد بناءها من الداخل، مستثمرا الصراع الأصلي حول “العروس” ليخلق منه سردية جديدة.

بين تمرد”جوكر” ورومانسية “بوني وكلايد”

يتموضع “العروس” داخل تقليد سينمائي يستدعي بوضوح نماذج الفوضى والتمرد الفردي، وعلى رأسها فيلم “جوكر” (Joker)، الذي أنتج عام 2019، والذي تقدم فيه الأناركية -وهي فلسفة سياسية تقوم على رفض كل أشكال السلطة القسرية والهرمية- بوصفها أثرا جانبيا لانهيار البنية الاجتماعية وسيادة الفساد.

في “جوكر”، يتحول آرثر فليك (يلعب دوره واكين فينكس) من فرد مهمش إلى رمز للفوضى، وتصبح ضحكته القسرية لغة احتجاج جسدية، تسببت في انفجار غضب طبقي مكبوت.

يحدث هذا التحول من فرد مهمش إلى أيقونة في فيلم “العروس”، عندما تتحول العروس/إيدا إلى كائن يخلخل النظام الفاسد في مدينة شيكاغو، التي تتحالف فيها العصابات مع الشرطة ضد الفرد العادي.

وكما فعل آرثر فليك، لم تلجأ إيدا إلى خطابات مباشرة، أو حتى إلى التوجه لأي جمهور، بل عبر وجودها ذاته، الذي يفضح هشاشة القواعد التي تحكم المجتمع. فهي لم تقد ثورة، بقدر ما جسدت إمكانية التمرد، كما فعل الجوكر في ذروة الفيلم.

The Bride! (2026) Christian Bale, Maggie Gyllenhaal, and Jessie Buckley in The Bride! (2026) imdb
مشهد من فيلم “العروس!” (آي أم دي بي)

في المقابل، يستدعي الفيلم إرث “بوني وكلايد” (Bonnie and Clyde)، الذي أنتج عام 1967، وهو العمل الذي يعد مفصليا في تاريخ السينما الأمريكية، ليس فقط لأنه أعاد تعريف صورة الخارجين عن القانون، بل لأنه دشن جمالية جديدة تمزج بين العنف والشاعرية. ففي الفيلم، يتحول الثنائي إلى أسطورة شعبية، ويقدم العنف داخل إطار رومانسي يجعل المتفرج يتواطأ عاطفيا مع شخصيات خارجة عن القانون.

يتكرر هذا النموذج في فيلم “العروس”، إذ تتشكل العلاقة بين العروس والوحش داخل منطق “نحن ضد العالم”، ويرتكبان الجرائم الواحدة تلو الأخرى بقصد النجاة في كل مرة، لكن يتركان خلفهما خيطا من دماء القتلى. ويتحول هذا الهروب المستمر إلى مساحة لازدهار علاقتهما خارج القوانين الاجتماعية.

بصريا، يمكن رصد تقاطعات واضحة بين الفيلمين، مثل استخدام اللقطات المفتوحة أثناء المطاردة، والتناوب بين اللحظات الرومانسية والانفجارات العنيفة، لكن ما يميز “العروس” أنه يضيف إلى هذا الإرث بعدا وجوديا؛ فبينما كان العنف في “بوني وكلايد” مرتبطا بالتمرد على النظام الاقتصادي والاجتماعي، يصبح هنا مرتبطا أيضا بسؤال: ماذا يعني أن توجد أصلا خارج النظام؟

بهذا، يجمع الفيلم بين أناركية الفرد كما في “جوكر”، ورومانسية الثنائي الخارج عن القانون كما في “بوني وكلايد”، ليقدم تصورا مركبا للتمرد.

في محصلته النهائية، يبدو فيلم “العروس” فيلما تجريبيا بامتياز، ويراهن على الشعرية البصرية وتفكيك السرد أكثر مما يراهن على التسلية التقليدية، حتى مع وجود نجوم بحجم جيسي باكلي وكريستيان بايل.

هذا التناقض بين نجومية العمل وطبيعته غير السهلة جعل استقباله محدودا لدى المتفرج العادي، ويفسر أداءه التجاري الضعيف نسبيا. فالفيلم يحاول أن يقول ويفعل أشياء كثيرة في الوقت نفسه، ما يجعله، رغم طموحه، عملا مرتبكا ومثقلا بالأفكار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى