الذكاء الاصطناعي قاتل في الحرب على غزة

Published On 6/5/2026
|
آخر تحديث: 12:37 (توقيت مكة)
لا تقف دراسة “الذكاء الاصطناعي وتحولات الحرب المعاصرة: غزة نموذجًا” للباحثين محمد عباس ورنا صباح، المنشورة في مجلة “لباب” التابعة لمركز الجزيرة للدراسات، عند حدود الحديث النظري عن الذكاء الاصطناعي، بل تنطلق مباشرة من الحرب على غزة بوصفها لحظة كاشفة لتحول نوعي في إدارة العمليات العسكرية. فالدراسة ترى أن ما جرى لم يكن مجرد استخدام متطور للتكنولوجيا، وإنما انتقال إلى نمط جديد تُصبح فيه الخوارزمية جزءًا من صناعة القرار العسكري نفسه.
وتتوقف الدراسة عند أنظمة الذكاء الاصطناعي التي استُخدمت في إدارة بنك الأهداف، حيث جرى الاعتماد على تحليل كميات ضخمة من البيانات من أجل تحديد الأشخاص والمباني والمواقع التي تُصنف باعتبارها أهدافًا محتملة. وتلفت إلى أن بعض التقارير الإسرائيلية تحدثت عن أنظمة قادرة على إنتاج أعداد هائلة من الأهداف خلال وقت قصير، بما يتجاوز القدرة البشرية التقليدية على التحليل والمتابعة.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
هنا لا يعود العنصر الحاسم هو الرؤية المباشرة أو التقدير الميداني وحده، بل قدرة النظام على الربط بين الاتصالات والتحركات وأنماط النشاط المختلفة، بما يسمح بتحويل السلوك اليومي إلى مادة للتحليل العسكري. وتعتبر الدراسة أن هذه النقلة تمثل تحولًا خطيرًا، لأن الإنسان يتحول تدريجيًا من كونه فردًا إلى “نمط بيانات” قابل للتصنيف والاستهداف.
بنك أهداف يعمل بسرعة الحرب
من أكثر الجوانب التي تركز عليها الدراسة أن الحرب على غزة كشفت عن تسارع غير مسبوق في إنتاج الأهداف العسكرية. فبدلًا من العملية التقليدية التي كانت تحتاج إلى وقت طويل للتحقق والمراجعة، أصبح بالإمكان توليد قوائم أهداف واسعة خلال ساعات، اعتمادًا على الأنظمة الخوارزمية.
وتشير الدراسة إلى أن هذا التسارع أدى إلى تكثيف الضربات بصورة غير مسبوقة، لكنه في الوقت نفسه أثار أسئلة عميقة حول حدود الدقة وحدود الخطأ. فكلما اتسعت دائرة التحليل الآلي، أصبح احتمال وقوع أخطاء في التصنيف أكثر خطورة، خاصة في بيئة شديدة الكثافة مثل غزة، حيث يصعب الفصل الكامل بين المدني والعسكري.
وتلفت الدراسة إلى أن بعض التقارير الغربية والإسرائيلية نفسها تحدثت عن اعتماد متزايد على أنظمة توصية آلية في تحديد الأهداف، بما جعل دور العنصر البشري أقرب إلى المصادقة السريعة على ما تنتجه المنظومة التقنية.
الحرب بالأسماء الخوارزمية
تتوقف الدراسة عند ما كشفته تقارير صحفية إسرائيلية وغربية حول أنظمة مثل “لافندر” و”غوسبل”، بوصفها نماذج لتحول الذكاء الاصطناعي إلى طرف فعلي في إدارة الحرب. فهذه الأنظمة لا تعمل فقط على جمع المعلومات، بل على ترشيح الأهداف وترتيب الأولويات وربط البيانات بعضها ببعض.
وترى الدراسة أن خطورة هذه الأنظمة لا تكمن فقط في كفاءتها التقنية، بل في أنها تمنح القرار العسكري غطاءً يبدو “علميًا” ومحايدًا، رغم أن الخوارزميات نفسها مبنية على افتراضات بشرية وقواعد تصنيف قد تحمل أخطاء أو تحيزات.
وفي هذا السياق، تثير الدراسة إشكالية شديدة الحساسية: عندما تُرتكب مجزرة نتيجة تصنيف خاطئ أو توصية آلية، فمن المسؤول؟ هل هو الضابط الذي وافق على التنفيذ؟ أم المبرمج؟ أم المؤسسة التي وضعت معايير النظام؟ أم أن المسؤولية تضيع داخل الشبكة التقنية نفسها؟
من استهداف المقاتل إلى إدارة المجتمع
ولا تحصر الدراسة التحول في الجانب العسكري المباشر، بل ترى أن الحرب في غزة كشفت عن توسع دور التكنولوجيا في إدارة المجتمع الواقع تحت القصف. فالأمر لم يعد متعلقًا فقط بتحديد هدف وتدميره، وإنما بمتابعة حركة السكان، وتحليل ردود الأفعال، وقراءة أنماط النزوح والتجمع والتواصل.
وهنا تنتقل الحرب من محاولة تحطيم الخصم عسكريًا إلى محاولة التأثير في البيئة الاجتماعية والنفسية المحيطة به. فالتكنولوجيا، وفق الدراسة، أصبحت جزءًا من إدارة الإيقاع اليومي للحياة تحت الحرب، وليس مجرد أداة للقتل.

أخطاء أكثر تدميرًا
وتلفت الدراسة إلى مفارقة شديدة القسوة: كلما ازداد الاعتماد على الأنظمة الذكية، أصبحت الأخطاء أكثر اتساعًا في أثرها. فالخوارزمية قد تبدو دقيقة من الناحية الحسابية، لكنها تعمل داخل واقع متغير بصورة مستمرة، وهو ما يجعل أي خطأ في البيانات أو التصنيف قابلًا للتحول إلى كارثة حقيقية.
وفي غزة، حيث الكثافة السكانية المرتفعة والتداخل الحاد بين الحياة المدنية والعمليات العسكرية، يصبح الخطأ مضاعف النتائج. ولذلك ترى الدراسة أن الذكاء الاصطناعي لا يلغي المعضلة الأخلاقية للحرب، بل يعيد إنتاجها في صورة أكثر تعقيدًا، لأن التقنية تمنح القرار العسكري مظهرًا باردًا ومحايدًا، بينما تبقى نتائجه إنسانية وعنيفة على الأرض.
حرب المستقبل بدأت بالفعل
الخلاصة التي تصل إليها الدراسة أن ما جرى في غزة لا ينبغي النظر إليه باعتباره حالة استثنائية، بل بوصفه مؤشرًا على شكل الحروب القادمة. فالمعركة لم تعد مجرد مواجهة بين جنود وسلاح، وإنما صراع تُدار أجزاء واسعة منه عبر البيانات والخوارزميات والقدرة على معالجة المعلومات بسرعة هائلة.
ولهذا تبدو غزة، في قراءة الباحثين، ليست فقط ساحة حرب، بل مساحة اختبار مبكرة لعالم عسكري جديد، تصبح فيه الخوارزمية شريكًا في القرار، ويتحول الإنسان تدريجيًا من مركز العملية القتالية إلى عنصر داخل منظومة أوسع تتحكم فيها الآلة بقدر متزايد.





