من فريدي ميركوري إلى مايكل جاكسون.. أفلام تعيد تسويق نجوم الموسيقى

Published On 14/5/2026
|
آخر تحديث: 20:56 (توقيت مكة)
شهدنا في الآونة الأخيرة مجموعة من الأفلام عن سيرة الموسيقيين، لا تقدم مجرد حكايات عن النجوم، بل تحاول إحياءهم بصورة مختلفة، أكثر بريقا أحيانا لتحسين صورة النجم، وأكثر إنسانية أحيانا أخرى.
وقد تحولت هذه الأعمال إلى ظاهرة لافتة في السينما العالمية، مع أفلام مثل “بوهيميان رابسودي” (Bohemian Rhapsody) و”روكيت مان” (Rocketman) و”إلفيس”، وصولا إلى تجارب أحدث مثل فيلم “مايكل”، الذي أحدث ضجة كبيرة.
اقرأ أيضا
list of 4 itemsend of list
نقارن في هذا التقرير بين هذه الأفلام من حيث طريقة بناء الحكاية واستخدام الموسيقى، وحدود التوازن بين الحقيقة والدراما، في محاولة لفهم كيف أصبحت “السيرة الموسيقية” اليوم مساحة لإعادة كتابة النجومية.
إعادة بيع الأسطورة
تقدم هذه الفئة من أفلام “السيرة الموسيقية” إعادة بناء لحياة الفنان حتى تثبت صورته “الأيقونة” في الوعي الجماهيري، وتُبنى الحكاية لتقديم التصاعد الدرامي الواضح، ولحظات السقوط المحسوبة، ثم ذروة احتفالية تعيد تأكيد الأسطورة.
يُعد فيلم “بوهيميان رابسودي” النموذج الأوضح لهذا الاتجاه، إذ بسّط مسار المغني البريطاني الراحل فريدي ميركوري (1946-1991) لصالح بناء خط درامي مباشر ينتهي بلحظة مهرجان “لايف إيد” (Live Aid) الموسيقي، ويقدم هذه اللحظة خلاصة مكثفة لكل ما سبق، ولا يسعى إلى الغوص في التناقضات بقدر ما يعيد ترتيبها للوصول إلى لحظة مجد نهائية.
فيلم “إلفيس”، الذي يستعيد سيرة المغني الأمريكي الراحل إلفيس بريسلي (1935-1977)، يبدو أكثر حداثة على مستوى الشكل، لكنه لا يبتعد كثيرا عن المنطق نفسه؛ فالأسلوب البصري الصاخب والمونتاج المتسارع، اللذان تشتهر بهما سينما المخرج باز لورمان، يخلقان إحساسا دائما بالتدفق، كأن الفيلم يحاكي حالة النجومية المتسارعة نفسها.
ومع ذلك فإن هذا الزخم يخدم في النهاية فكرة واحدة، وهي كون إلفيس بريسلي ظاهرة استثنائية تتجاوز زمنها، حتى حين يلمّح العمل إلى استغلال شخصه أو أزماته الخاصة.
وفي فيلم “احترام” (Respect)، الذي أنجز عن حياة المغنية الأمريكية أريثا لويز فرانكلين (1942-2018)، يتجلى هذا الاتجاه من خلال بناء تقليدي يعتمد على محطات مفصلية تُظهر تطور الفنانة الراحلة، مع تركيز على لحظات الأداء الغنائي باعتبارها مساحات للسيطرة والانتصار وتعزيز صورة القوة.
ما يميز هذه الأفلام مجتمعة هو أن الموسيقى لا تُستخدم فيها فقط بوصفها عنصرا سرديا أساسيا، بل كأداة تتويج؛ فكل أغنية تعمل بمثابة ذروة درامية، وتعيد تعريف الشخصية أمام الجمهور، وتشكيل الواقع بما يخدم الإحساس العام بالإنجاز الذي حققه الفنان، وتمنح أولوية للتأثير العاطفي، وتُخرج النجم في صورته الأكثر اكتمالا: الأسطورة.
تفكيك الأسطورة من الداخل
إذا كانت بعض أفلام “السيرة الموسيقية” تنشغل ببناء “النجم” في صورته الأكثر كمالا، فإن هذا المسار الذي نتناوله هنا قد يذهب في اتجاه يبدو معاكسا، حتى وإن لم يكن كذلك تماما؛ فالحكاية لا تُقدَّم بوصفها صعودا مستقيما، بل مسارا متقطعا ومضطربا، وأحيانا غير قابل للفهم بالكامل، وهو ما قد ينعكس في بعض الأحيان على الشكل السردي والبصري للعمل.
فيلم “روكيت مان”، الذي تناول حياة المغني الإنجليزي إلتون جون (مواليد 25 مارس/آذار 1947)، نموذج واضح لهذا التوجه، إذ تُستخدم فيه المشاهد الموسيقية للتعبير عن الانهيار الداخلي، ولا تظهر الأغاني -كما في الأمثلة السابقة- ذروات نجاح، بل ترجمة مباشرة للحالة النفسية لإلتون جون، ومعاناته مع الإدمان والوحدة، ولا يحاول الفيلم إخفاء تناقضات الشخصية أو قصورها، بل يجعلها مركز التجربة.
وفي سياق مختلف، فإن فيلم “مجهول تماما”، الذي أنجز عن بدايات المسيرة الموسيقية للمغني الأمريكي روبرت ألن زيمرمان، المشهور بـ”بوب ديلان” (مواليد 24 مايو/أيار 1941)، يتعامل مع فكرة الفنان الغامض، ويركز على تقديم التحولات في الهوية الفنية للنجم الأمريكي، وعلاقته المتوترة مع زملائه وجمهوره.
أما فيلم “ويتني هيوستن.. أريد أن أرقص مع شخص ما” (Whitney Houston: I Wanna Dance with Somebody)، فرغم اقترابه ظاهريا من القالب الكلاسيكي، فإنه ينتمي جزئيا لهذا المسار من خلال الحضور الواضح للصراع الداخلي للفنانة الأمريكية ويتني هيوستن (1963-2012)، لكن الفارق هنا أن الفيلم يتردد في طرح الأزمات، وكأنه يقف عند حد فاصل بين الصدق والحفاظ على الصورة.
هذه الأفلام لا تقدم مجرد لحظات تتويج، بل تستخدم الموسيقى أداة للكشف؛ فالأغاني قد تأتي في سياق لحظات انهيار أو مواجهة مع الذات، وليست انتصارا أمام المتفرجين، كما أنها لا تحاول إقناعهم بالأسطورة، بل تدعوهم لرؤية الهشاشة خلفها.
أفلام تُلمّع الأيقونة أو تُحوّلها إلى ضحية
تعيد هذه الفئة من الأفلام صياغة بعض جوانب الواقع، وتضع النجم في موقع الضحية أو الشخصية التي أُسيء فهمها، أو تجعلها أقل إدانة وأكثر قابلية للتعاطف، بما يعيد تكريسها أيقونة.
فيلم “مايكل”، الذي يعيد تقديم حياة الفنان الأمريكي الراحل مايكل جاكسون (1958-2009)، مثال واضح جدا على هذا الاتجاه؛ فكيف يمكن تقديم شخصية بحجم وتأثير مايكل جاكسون مع إرث شديد الجدل دون أن يتحول الفيلم إلى مساحة صدام؟
يتم ذلك عبر إعادة تأطير الشخصية، بحيث يُبرز الضغوط التي تعرض لها جاكسون، وسوء الفهم المحيط بها وثقل الشهرة، مع الابتعاد عن المناطق الأكثر حساسية في تاريخ الرجل، ومن ثم يتدخل الفيلم بشكل واضح في الصورة التي ستُتذكَّر بها الشخصية في المستقبل.
يظهر هذا النمط كذلك بوضوح في فيلم “باك تو بلاك” (Back to Black)، الذي يعيد تقديم حياة المغنية الإنجليزية إيمي واينهاوس (1983-2011) من خلال التركيز المكثف على علاقاتها العاطفية وتأثيرها عليها، مما يحوّل مسارها إلى قصة انجراف بفعل عوامل خارجية أكثر من كونه شبكة معقدة من الاختيارات، وهنا يوجه السرد التعاطف بشكل واضح.
نجد ذلك أيضا في فيلم “الولايات المتحدة ضد بيلي هوليداي” (The United States vs. Billie Holiday)، إذ يتخذ الفيلم بعدا سياسيا يعيد تأطير معاناة مغنية الجاز الأمريكية الراحلة بيلي هوليداي (1915-1959) داخل صراع مع الدولة، بحيث تُقرأ أزماتها -بما فيها الإدمان- باعتبارها جزءا من سياق اضطهاد أوسع.
ما يجمع هذه الأفلام هو اعتمادها على “سردية التبرير”، بحيث يظل النجم في موقع يمكن الدفاع عنه. وتلعب الموسيقى دورا محوريا هنا في تأكيد الحب والتعاطف، كلما اقترب السرد من منطقة إشكالية.





