Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
اخر الاخبار

العراق بين الجوار الإيراني وحقه في القرار المستقل

ترتبط إيران والعراق بعلاقات جغرافية وتاريخية ودينية عميقة يصعب تجاهلها. فالدولتان تشتركان في حدود تمتد لنحو 1,599 كيلومتراً، كما تجمعهما روابط ثقافية واجتماعية طويلة، إضافة إلى مكانة المدن الدينية في النجف وكربلاء لدى ملايين الزائرين الإيرانيين. لذلك، من الطبيعي أن تكون بين بغداد وطهران علاقات تجارية ودبلوماسية وشعبية واسعة.

لكن القرب الجغرافي والديني لا يمنح أي دولة حق التدخل في القرار الوطني للدولة الأخرى. فالعراق دولة مستقلة ذات سيادة، ولها شعبها ومؤسساتها ودستورها ومصالحها الخاصة. إن العلاقة السليمة بين بغداد وطهران يجب أن تقوم على الإحترام المتبادل، لا على توظيف الروابط الدينية أو المصالح الإقتصادية من أجل بناء نفوذ سياسي وأمني يتجاوز إرادة العراقيين.

تسعى إيران إلى الحفاظ على حضور واسع في العراق لأسباب متعددة. فالعراق يمثل عمقاً جغرافياً وإقتصادياً مهماً لإيران، كما أنه شريك تجاري كبير وسوق رئيسية للسلع والطاقة الإيرانية. وتشير دراسات إلى أن التجارة والطاقة والعلاقات الدينية كانت أدوات مؤثرة في تعزيز الإرتباط بين البلدين، فيما زاد نفوذ الأحزاب والفصائل القريبة من إيران داخل المشهد العراقي خلال السنوات الماضية.

لكن كثيراً من العراقيين يرفضون أن يتحول بلدهم إلى ساحة نفوذ لأي قوة خارجية، سواء كانت إيران أو غيرها. فالمشكلة ليست في وجود علاقات طبيعية مع الجار الإيراني، بل في أي تدخل يمس استقلال القرار العراقي، أو يسمح لجماعات مسلحة بأن تتصرف خارج سلطة الدولة، أو يجعل الأراضي العراقية منصة لصراعات إقليمية ودولية. لقد دفع العراقيون ثمناً كبيراً من الحروب والعنف والإنقسامات، وهم لا يحتاجون إلى جولة جديدة من المواجهة فوق أرضهم.

ويزداد القلق عندما تتحرك فصائل مسلحة مرتبطة بإيران أو تتلقى دعماً منها من دون قرار واضح من الحكومة العراقية. فمثل هذه الممارسات تضع بغداد أمام أزمة سيادة: الحكومة هي المعترف بها دولياً، لكنها قد تواجه ضغوطاً من قوى موازية تمتلك السلاح والنفوذ والقدرة على التأثير في قرارات الأمن والسياسة الخارجية. وتقول تحليلات حديثة إن بعض الجماعات المسلحة المدعومة من إيران نفذت هجمات خلقت ضغوطاً إضافية على الحكومة العراقية للحد من قدرتها على جر البلاد إلى نزاعات أوسع.

العراق لا ينبغي أن يكون وكيلاً لإيران، كما لا ينبغي أن يكون وكيلاً دولة او لأي قوة أخرى. مصلحة العراقيين تقتضي إتباع سياسة خارجية متوازنة، تحفظ علاقات محترمة مع الجيران، لكنها ترفض التبعية وتمنع إستخدام الأراضي العراقية في تصفية الحسابات. إن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى حصراً بيد الدولة ومؤسساتها الدستورية، وليس بيد أي جماعة أو محور خارجي.

ولدى العراق فرص كبيرة لبناء مستقبل مختلف. فهو يمتلك موارد طبيعية هائلة، وطاقات شبابية واسعة، وموقعاً يربط الخليج ببلاد الشام وتركيا وإيران. بدل أن يُستهلك في النزاعات، يمكن للعراق أن يصبح مركزاً للتجارة والطاقة والإستثمار والتعليم والثقافة. لكن تحقيق ذلك يتطلب أمناً مستقراً، وإقتصاداً متنوعاً، وقضاءً مستقلاً، ومؤسسات لا تنافسها قوى مسلحة.

إن أفضل ما يمكن أن تفعله إيران تجاه العراق هو إحترام إستقلاله، ووقف دعم أي جماعات تعمل خارج سلطة بغداد، وبناء شراكة إقتصادية شفافة تخدم شعبي البلدين. أما أفضل ما يمكن أن يفعله العراق فهو التمسك بسيادته وحصر السلاح بيد الدولة ومنع تحويل أرضه إلى جبهة في صراع الآخرين. فالعراقيون يستحقون حياة آمنة، ومستقبلاً مزدهراً، ووطناً يختار طريقه بنفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى