بكتيريا نافعة تنتج أدوية داخل أورام السرطان

استخدام بكتيريا نافعة معدلة وراثيًا في علاج السرطان
في خطوة تفتح آفاقًا جديدة أمام علاج السرطان، ابتكر علماء طريقة علاجية تعتمد على استخدام بكتيريا نافعة معدلة وراثيًا، حيث تعمل هذه البكتيريا كمصانع دواء دقيقة داخل الأورام. هذه التقنية تهدف إلى إنتاج العلاج الكيميائي مباشرة في موضع الورم، بالتزامن مع تحفيز جهاز المناعة لمهاجمة الخلايا السرطانية. التجارب التي أُجريت على فئران مصابة بسرطان القولون والمستقيم أظهرت نتائج واعدة، إذ اختفت ثلاثة أورام كاملة من أصل سبعة، بينما تباطأ نمو الأورام الأخرى.
آلية تأثير البكتيريا داخل الأورام
من التحديات الكبرى في علاج السرطان هو القدرة على استهداف الخلايا السرطانية بشكل دقيق دون التأثير على الأنسجة السليمة. العلاج الكيميائي التقليدي يمتلك القدرة على قتل الخلايا السرطانية، ولكنه قد يتسبب في آثار جانبية خطيرة نظرًا لانتشاره في الجسم. على الجانب الآخر، العلاج المناعي يحفز الجهاز المناعي لكن قد يؤدي إلى تفاعلات التهابية غير مرغوبة.
تركزت الدراسة الحالية، التي قادها الباحث نيكولاس أربايا من جامعة كولومبيا، على سلالة من البكتيريا تُعرف باسم “إيشيريشيا كولاي نيسل 1917”. هذه السلالة تُستخدم في بعض المنتجات البروبيوتيك وتتميز بقدرتها على التجمع داخل الأورام، مما يسمح لها بالتكاثر في بيئة الورم التي تنخفض فيها مستويات الأكسجين.
تحويل البكتيريا إلى مصنع دواء
بعد التأكد من قدرة البكتيريا على الوصول إلى الأورام، قام الباحثون بتعديل جيناتها لإنتاج إنزيم “سيتوزين دياميناز”. هذا الإنزيم يقوم بتحويل مادة 5-فلوروسيتوزين، التي تتميز بانخفاض سميتها، إلى 5-فلورويوراسيل، وهو دواء يستخدم على نطاق واسع في علاج سرطان القولون والمستقيم. بهذه الطريقة، تستطيع البكتيريا تحويل العلاج الكيميائي داخل الورم، مما يقلل من مساحة انتشار التأثيرات الجانبية في الجسم.
ومع ذلك، ظهرت مشكلة غير متوقعة، حيث كانت البكتيريا تنتج 5-FU وتبدأ بتفكيك جزء منه. لتجاوز هذه المشكلة، قام الباحثون بحذف الجينات المسؤولة، مما زاد من فعالية العلاج.
استراتيجية متعددة الأبعاد لمهاجمة السرطان
لم يقتصر الباحثون على جعل البكتيريا تنتج العلاج الكيميائي فقط، بل طوروا هذه البكتيريا لتصبح أداة تجمع بين العلاج الكيميائي والعلاج المناعي. في التجارب، نجح العلاج في تنشيط خلايا مناعية قوية لمهاجمة الأورام. ورغم ذلك، حاولت الأورام تطوير آليات لمقاومة هذا الهجوم.
لذلك، عَدّل العلماء البكتيريا مرة أخرى لإنتاج مركبين إضافيين، الأول يعمل على تعزيز مسار IL-15 والثاني يعمل على حجب بروتين PD-L1، مما يساعد على إزالة الحواجز أمام نشاط الجهاز المناعي. وهكذا أصبحت هذه البكتيريا تعمل عبر ثلاثة مسارات متزامنة: إنتاج العلاج الكيميائي، وتنشيط الاستجابة المناعية، وإضعاف مقاومة الورم.
نتائج واعدة ولكن بخطوات محسوبة نحو المستقبل
عند اختبار هذه الاستراتيجية المركبة على الفئران، أظهرت النتائج تفوقًا ملحوظًا، إذ اختفت ثلاثة أورام كاملة من أصل سبعة، أي بنسبة 43% من الأورام. اللافت أن تأثير العلاج لم يقتصر على الأورام المعالجة مباشرة، بل تباطأ نمو الأورام الأخرى في بعض الحالات. هذه النتائج تشير إلى إمكانية تشكيل استجابة مناعية قادرة على محاربة الأورام في مناطق مختلفة من الجسم.
مع ذلك، تظل النتائج في مراحل مبكرة. الانتقال من التجارب الحيوانية إلى تطبيقات علاجية للمرضى يتطلب المزيد من الأبحاث والاختبارات. كما تحتاج التقنيات الجديدة إلى تقييم أداءها في نماذج أكثر تعقيدًا تماثل السرطانات البشرية، مع دراسة السلامة وطرق توصيل البكتيريا إلى الأورام. والأمان سيكون محور البحث الأساسي في المستقبل.
إن النتائج تشير إلى تحول في كيفية التعامل مع السرطان، حيث يمكن أن تمثل هذه البكتيريا النافعة وسيلة مبتكرة لإيصال الأدوية إلى الأورام وتحفيز الجهاز المناعي. إذا ثبتت سلامة وفعالية هذه الاستراتيجية في المراحل المقبلة، فقد تسهم في تطوير علاجات أكثر استهدافًا وأقل أثرًا على الأنسجة السليمة مقارنة بالعلاجات التقليدية.





