Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
اقتصاد

رجال ديجي كالا.. حلم “أمازون” الإيراني الذي لن يكتمل أبدا

في شتاء عام 2006، وسط فوضى أسواق طهران وزحامها، لم يكن التوأمان الإيرانيان حامد وسعيد محمدي يعلمان أن رحلة بحثهما عن “كاميرا رقمية” ستكون شرارة تشعل ثورة التجارة الإلكترونية في البلاد. في ذلك الوقت، كان السوق الإيراني يعاني من فجوة هائلة بين العرض والطلب؛ حيث سيطرت الضبابية على عمليات البيع والشراء، وانعدمت معايير الجودة أو الضمان، وغابت تماما “تقييمات المستخدمين”. وبعد تجربة شراء مريرة انتهت بحصولهما على منتج لا يطابق المواصفات وبسعر مبالغ فيه، أدرك الشقيقان أن الأزمة ليست في الكاميرا، بل في منظومة البيع التقليدية القائمة.

ومن عتمة “مرآب المنزل” وبإمكانيات مادية متواضعة لا تتجاوز بضعة آلاف من الدولارات، قرر الشقيقان محمدي تحدي الواقع وتغيير قواعد اللعبة، لتولد منصة “ديجي كالا”. كان المشروع في جوهره رهانا على بناء الثقة في بيئة تجارية يسيطر عليها الشك؛ فاعتمد منذ البداية على تقديم مراجعات دقيقة وحيادية للمنتجات قبل بيعها، وهو خيار بدا ثوريا وقتها. وخلال سنوات قليلة تحولت “ديجي كالا” من مشروع صغير انطلق من المرآب إلى عملاق يهيمن على أكثر من 85% من حصة سوق التجارة الإلكترونية الإيراني، ليصبح بحق “أمازون إيران” وأحد النماذج الملهمة للشركات الناشئة في الشرق الأوسط.

” كان ديجي كالا في جوهره رهانا على بناء الثقة في بيئة تجارية يسيطر عليها الشك”

قد تبدو هذه القصة للوهلة الأولى نجاحا فرديا، لكنها في الواقع جزء من ظاهرة أوسع؛ محاولة مستمرة لإيجاد بدائل رقمية محلية للخدمات الرقمية التي حرمت منها إيران، فمنذ الثورة الإسلامية عام 1979، ولاحقا مع تصاعد العقوبات خاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي عام 2018، وجدت إيران نفسها معزولة عن معظم البنى الرقمية العالمية، وهو ما دفعها لمحاولة إعادة بناء منظومة رقمية بديلة. فإلى أي مدى نجح الاقتصاد المحاصر في إنتاج منظومة ابتكار محلية؟ وما حدود هذا النموذج وتكاليفه؟

خلال سنوات قليلة تحولت “ديجي كالا” من مشروع صغير انطلق من المرآب إلى عملاق يهيمن على أكثر من 85% من سوق التجارة الإلكترونية الإيراني (صفحة ديجي كالا فيسبوك)

بنية رقمية من تحت الحصار

لفهم هذا التحول نحتاج إلى التوقف عند طبيعة العزلة المفروضة على إيران، والتي تجاوزت حدود الاقتصاد التقليدي إلى البنية الرقمية. فعلى مدار عقود، استهدفت العقوبات الأمريكية ضد طهران قطاعات حيوية مثل المال والنقل والطاقة والتكنولوجيا. لكن أثرها تجاوز هذه القطاعات، وامتد لما هو أبعد نتيجة لما يعرف بـ”الإفراط في الامتثال” حيث تتحاشى الشركات العالمية التعاملات مع إيران حتى في المجالات التي لا تحظرها العقوبات صراحة، وذلك تجنبا للمخاطرة القانونية أو المخاطرة بالسمعة.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

تسبب ذلك في إضافة طبقات إضافية من العزلة. وقد انعكس هذا بوضوح في التقارير الدولية، ففي عام 2022 أشارت ألينا دوهان، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالتدابير القسرية أحادية الجانب، إلى أن هذا المزيج المعقد من العقوبات المباشرة والعقوبات الثانوية إلى جانب سياسات تجنب المخاطر من قبل الشركات والمؤسسات أدى إلى مفاقمة التحديات الاقتصادية والإنسانية داخل إيران، وأثر سلبا على حياة الفئات الأكثر ضعفا من المواطنين.

“عملت القيود كمحفز أجبر الشركات الإيرانية على تطوير بدائل محلية للمنتجات والتطبيقات الرقمية العالمية”

نتيجة لذلك أيضا، أصبحت الشركات الإيرانية في مواجهة عزلة شبه كاملة عن النظام الاقتصادي الرقمي العالمي وبنيته التحتية الأساسية: مثل نظام التحويلات المالية العالمي “سويفت” وخدمات الحوسبة السحابية مثل “أمازون ويب سيرفيسز” و”غوغل كلاود”، بل وحتى متاجر التطبيقات مثل “غوغل بلاي ستور”، و”أبل آب ستور”. وهي عزلة تجاوزت كونها عائقا تقنيا وخلقت بيئة رقمية محاصرة، وهو ما أدى لإعادة هيكلة شاملة لبيئة الاقتصاد الإيراني، وخاصة القطاع الرقمي.

عملت هذه القيود كمحفز أجبر الشركات الإيرانية على تطوير بدائل محلية للمنتجات والتطبيقات الرقمية العالمية، وأفرز منظومة رقمية موازية معتمدة على الابتكار الداخلي. وتُظهر البيانات بالفعل توسعا كبيرا في حجم التعاملات الإلكترونية والرقمية في إيران يمكن تفسيره وفق عدد من الأسباب. أهمها ربما أن غياب المنافسة مع العمالقة العالميين أمثال أمازون وأوبر أدى إلى منح الشركات الناشئة مساحة للنمو في سوق محلي ضخم متعطش للخدمات الرقمية. إلا أن ذلك جاء مع كلفة لا يمكن تجاهلها إذ حال بينها وبين فرص التوسع العالمي، كما خفض من سقف تطلعات نموها على المدى البعيد.

أكثر من مجرد نسخ

هل تحتاج في إيران إلى أمازون طالما تملك ديجي كالا؟ وهل تحتاج إلى أوبر طالما تملك سناب؟ وفقا لدراسة أكاديمية حول حالة ديجي كالا نشرتها مجلة دراسات تكنولوجيا المعلومات (JITTC)، فقد نجحت الشركة الإيرانية في بناء نموذج أعمال متكامل مكنها من الهيمنة على سوق التجارة الإلكترونية في البلاد بحلول عام 2014، مدعوما بتوسع سريع في الموارد البشرية والبنية اللوجستية.

وقد تعزز موقع الشركة في السوق الإيراني في أغسطس/آب 2024 حين استحوذت شركة الاتصالات المتنقلة الإيرانية المعروفة محليا باسم “همراه أول”، أكبر مزود للاتصالات في إيران، على حصة 40% منها في خطوة عكست تزايد مشاركة البنوك وشركات الاتصالات في قطاع التكنولوجيا الإيراني.

“تحولت منصة سناب إلى تطبيق فائق، يقدم إضافة إلى خدمات سيارات الأجرة نحو 20 خدمة متكاملة تشمل الدفع، والسفر، والتسوق، وتوصيل الطعام”

يمكننا أن نتتبع مسارا مشابها لمنصة “سناب” التي انطلقت عام 2014 كتطبيق لطلب سيارات الأجرة، قبل أن تحصل عام 2016 على استثمار بقيمة 22 مليون دولار من مجموعة “إم تي إن” (MTN). وبحلول 2020 سيطرت “سناب” على أكثر من 85% من سوق النقل الداخلي، وقد تحولت إلى تطبيق فائق، يقدم إضافة إلى خدمات سيارات الأجرة نحو 20 خدمة متكاملة تشمل خدمات الدفع، والسفر، والتسوق، وتوصيل الطعام.

يظهر هذا النمط من قدرة السوق المحلي الإيراني على امتصاص الصدمات وإعادة التشكل كذلك في سوق متاجر التطبيقات، فبعد أن حجبت غوغل متجر بلاي ستور عن المستخدمين الإيرانيين برز تطبيق “كافيه بازار” كبديل محلي قوي استفاد من الفراغ الذي تركته المنصات العالمية ليتضاعف عدد مستخدميه من 20 مليون شخص عام 2013 ليصل إلى أكثر من 50 مليون مستخدم مسجل حاليا.

بازار Cafe’ BAZAAR credit : Cafe’ BAZAAR
تطبيق كافيه بازار برز كبديل محلي قوي استفاد من الفراغ الذي تركته المنصات العالمية ليتضاعف عدد مستخدميه إلى أكثر من 50 مليون مستخدم مسجل حاليا (الموقع الرسمي)

الصحة الرقمية

وإذا كانت التجارة والخدمات قد شهدت تحولا على هذا القدر، فإن الاختبار النموذجي يتجلى في القطاعات الحيوية مثل الرعاية الصحية، والتي يظهر فيها الأثر الأعمق للعقوبات. يشير تقرير منظمة “هيومن رايتس ووتش” المعنون بـ”الحد الأقصى للضغط: العقوبات الاقتصادية الأمريكية تضر بحقوق الإيرانيين في الصحة” إلى أن حرمان الإيرانيين من الخدمات الصحية ليس مجرد أثر جانبي للعقوبات، لكنه -وفقا لتصريحات عدد من المسؤولين الأمريكيين- جزء من إستراتيجية ضغط متعمد لإجبار المواطنين على مطالبة حكومتهم بالتغيير.

يتضح هذا على سبيل المثال في تصريح لوزير الخارجية الأمريكي الأسبق مايك بومبيو في عام 2019 أقر فيه أن “العقوبات الأمريكية تجعل الأمور أسوأ بكثير بالنسبة للشعب الإيراني، ونحن مقتنعون بأن ذلك سيقود الشعب الإيراني إلى الانتفاضة وتغيير سلوك النظام”.

“أطلقت الحكومة الإيرانية مجموعة من المشاريع الصحية الرقمية من بينها سيباس، بهدف إنشاء سجل صحي إلكتروني موحد لكل مواطن”

في مواجهة ذلك، كانت الحكومة الإيرانية قد أطلقت مجموعة من المشاريع الكبرى في إطار إعداد بنية صحية رقمية، من بينها “سيباس” الذي أُطلق عام 2007، لإنشاء سجل صحي إلكتروني موحد لكل مواطن إيراني، يربط المستشفيات والعيادات والتأمين الصحي في شبكة واحدة. بالإضافة إلى نظام الوصفة الإلكترونية (e-Prescription)، والتي أصبحت إلزامية بنهاية عام 2021 لربط الأطباء والصيدليات وشركات التأمين، وكذلك نظام “تي تي إيه سي” (TTAC) وهو أداة لتتبع ومصادقة الأدوية، تهدف إلى مكافحة التزوير والتهريب وضبط سلاسل الإمداد.

وجاءت جائحة كوفيد-19 لتفرض إعادة ترتيب الأولويات بشكل عاجل، وتدفع السلطات الإيرانية إلى تعجيل تبني الحلول الرقمية في القطاع الصحي، من خلال إطلاق خدمات الطب عن بعد من خلال الخطوط الساخنة والمنصات الإلكترونية لضمان استمرارية الرعاية الصحية للمرضى، خاصة في المناطق النائية التي يصعب الوصول إليها، وخلال الأشهر الأولى من الجائحة تم فحص أكثر من 70 مليون شخص من خلال هذه الطرق مما خفف الضغط على المستشفيات وكشف عن قدرة النظام على التكيف تحت الضغط.

بالتوازي، أدت حاجة السوق إلى ظهور موجة واسعة من الشركات الناشئة العاملة في مجال تطبيقات الطب عن بعد (Telemedicine)، يقدر عددها بأكثر من 30 شركة ناشئة، ومن أبرزها “سناب دكتور”، و”بزشكت”، و”دكتور نكست” وغيرها، والتي تقدم خدمات الاستشارة والتشخيص من خلال تطبيقات الهواتف الذكية. ولكن رغم نمو هذا السوق بوضوح فإنه يواجه التحديات ذاتها التي يكابدها الاقتصاد الرقمي في إيران وأهمها ضعف خدمات الإنترنت وصعوبة التوسع، والمخاوف بشأن خصوصية البيانات.

حاجة السوق إلى ظهور موجة واسعة من الشركات الناشئة العاملة في مجال تطبيقات الطب عن بعد (Telemedicine)، يقدر عددها بأكثر من 30 شركة ناشئة
ظهرت العديد من الشركات الناشئة الإيرانية العاملة في مجال تطبيقات الطب عن بعد يقدر عددها بأكثر من 30 شركة (شترستوك)

الابتكار تحت الضغط

إن النظرة السريعة إلى السوق التقني وسوق الصحة الرقمية في إيران قد تفترض أن هذه الشركات مجرد نسخ محلية بديلة لنماذج عالمية ناجحة، وتقع في فخ التعميم الذي يختصر ديجي كالا في البديل الإيراني لأمازون، أو يرى في سناب مجرد بديل يحل محل أوبر، لكن هذه القراءة السطحية تتجاهل ما هو خلف القشرة.

فقد أدت ظروف السوق الرقمي الإيراني، والعقوبات التي تحول بين المطورين وبين الوصول إلى النظام المالي العالمي والخدمات السحابية الكبرى، إلى اللجوء لبدائل محلية من مراكز بيانات وأنظمة دفع ولوجستيات وخرائط، مما أنتج معرفة عميقة وخبرة هيكلية تفوق نظائرها التي تعتمد على خدمات جاهزة، وهو ما أنتج نظاما بيئيا رقميا أكثر ملاءمة للبيئة المحلية، يركز على إيجاد حلول حقيقية في ظل ظروف تكاد تكون غير مسبوقة على مستوى العالم.

“هذه البنية التحتية البديلة تأتي مع تكلفة خفية يتحملها كل من المستخدمين والشركات على حد سواء”

لكن هذه البنية التحتية البديلة تأتي مع تكلفة خفية يتحملها كل من المستخدمين والشركات على حد سواء. على سبيل المثال أدى فصل بنوك إيرانية عن نظام سويفت العالمي في عام 2012 إلى ترسيخ الاعتماد على شبكات دفع محلية، أبرزها نظام “شتاب” الذي تطور ليصبح العمود الفقري لكافة المعاملات المالية اليومية داخل البلاد، مثل السحب والتحويلات والمدفوعات الإلكترونية.

ورغم كونه بديلا نجح في تأمين استمرارية التشغيل إلا أن قدرة الشركات على التوسع الخارجي لا تزال ضعيفة كنتيجة لصعوبة الوصول لأنظمة الدفع الدولية. وفي محاولة لكسر هذا الحصار اتجهت إيران إلى بناء شبكات بديلة، من بينها تعزيز التكامل مع النظام المصرفي الروسي عبر الربط بين نظام “شتاب” ونظام “مير” الروسي في عام 2024، في إطار جهود لبناء شبكات مالية أوسع تتخطى حدود المنظومة الغربية.

برزت تحديات أخرى تتعلق بالأمن والخصوصية والتحكم في تدفق المعلومات. فقد أدى حجب الوصول إلى خدمات سحابية حيوية مثل “أمازون ويب سيرفيسز” و”غوغل كلاود”، فضلا عن تقنيات الإنترنت الأساسية، إلى إجبار المطورين والمستخدمين الإيرانيين على الاعتماد على خدمات بديلة أقل موثوقية وأمنا.

تتجلى تكلفة هذه البدائل في أبسط الأمور، فعلى سبيل المثال تحتاج خدمات أدوبي إلى 531 نطاقا لتشغيلها يحظر منها ما لا يقل عن 60 نطاقا بسبب العقوبات، بينما تعيق القيود الحكومية الداخلية نطاقات أخرى، وهو مجرد مثال من عشرات الأمثلة للصعوبات التي يواجهها المطورون الإيرانيون بشكل يومي، وهو ما يرفع التكاليف ويبطئ دورة الابتكار.

نرجو عدم الاستخدام
في محاولة لكسر حصارها الرقمي، اتجهت إيران إلى بناء شبكات ومنظومات بديلة  (الجزيرة- مولدة بالذكاء الاصطناعي)

إنترنت مقيد.. بين العقوبات والرقابة

ولا تقتصر العزلة الرقمية في إيران على العقوبات الخارجية وحدها؛ حيث تضاعفها سياسات الحكومة الإيرانية الداخلية. فكما يوثق تقرير مشروع حوكمة الإنترنت (أكتوبر/تشرين الأول 2024)، تستخدم الحكومة التصفية الواسعة للمحتوى وأدوات “دي بي آي” (Deep Packet Inspection) وشبكة المعلومات الوطنية (NIN)، لتعزيز السيطرة على تدفق المعلومات، وتقييد المحتوى الدولي، لتصفية الإنترنت مما يبقي المواطنين داخل فقاعة معلومات خاضعة للرقابة.

لقد أدى تضافر هذه العوامل لخلق نموذج رقمي معقد في إيران، تتقاطع فيه العقوبات الدولية مع الرقابة الحكومية الداخلية، وهو ما أفرز بيئة يعتمد فيها المستخدمون بشكل واسع على الشبكات الافتراضية الخاصة “في بي إن” (VPN) للوصول إلى الإنترنت العالمي، لتنشأ سوق سوداء مزدهرة لهذه الشبكات رغم ما تحمله من مخاطر أمنية جسيمة. ووفقا لتقرير مركز شريف للأبحاث حول الحوكمة والسياسات في عام 2024، فقد تحولت هذه الشبكات التي يستخدمها نحو 83% من الإيرانيين إلى مصدر تهديد محتمل.

“وُلد نموذج رقمي معقد في إيران، تتقاطع فيه العقوبات الدولية مع الرقابة الحكومية الداخلية”

تجلت خطورة الوضع في سلسلة من الاختراقات الكبرى التي كشفت هشاشة بعض هذه المنظومات، من أبرزها اختراق تطبيق النقل “تابسي” (TAPSI) في سبتمبر/أيلول 2023 وتسريب بيانات آلاف العملاء. كما أعلنت مجموعة تُدعى “عدالة علي” عام 2024 اختراق نظام إدارة القضايا في القضاء الإيراني، وتسريب أكثر من 3 ملايين وثيقة قضائية، شملت ملفات لصحفيين ومعارضين وقضايا ذات طابع ديني وسياسي. وفي أغسطس/آب من العام نفسه شهدت البلاد اختراقا سيبرانيا آخر استهدف نحو 20 بنكا محليا.

رأس المال البشري.. وقود الابتكار المحاصر

في قلب هذا النظام المعقد، يبرز رأس المال البشري كعامل حاسم يقف وراء بناء هذه المنظومة واستمرارها، حيث أظهر تقرير المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) لعام 2025 أن إيران تحتل المرتبة الـ70 عالميا بشكل عام. وتضم مجمعا ابتكاريا واحدا ضمن التصنيف العالمي، هو مجمع طهران الذي يحتل المرتبة 63 عالميا ضمن أبرز مئة مجمع ابتكاري، ويتميز خصوصا في مجالات التكنولوجيا الطبية والهندسة.

وتسجل إيران أداء ملحوظا في جانب “المخرجات” الابتكارية، حيث تحتل المرتبة 46 في مؤشرات المعرفة والتكنولوجيا والإبداع، مقابل تراجع واضح في “المدخلات” التي تشمل البنية التحتية والإطار المؤسسي وتوافر التمويل والاستثمار لتأتي في المرتبة 109، مما يكشف تبيانا حادا بين القدرات البشرية العالية والضعف الهيكلي.

ويتميز رأس المال البشري في إيران في سياق العلوم والتكنولوجيا بكثافة لافتة، حيث تأتي في المرتبة 40 من حيث عدد الباحثين لكل مليون نسمة، كما يشكل خريجو العلوم والهندسة نحو 35.8% من إجمالي الخريجين الجامعيين، في واحد من أعلى المعدلات عالميا.

“يشكل خريجو العلوم والهندسة نحو 35.8% من إجمالي الخريجين الجامعيين في إيران، وهو واحد من أعلى المعدلات عالميا”

وتلعب الجامعات الإيرانية دورا محوريا في دفع عجلة الريادة والابتكار، حيث تخرج جامعة شريف للتكنولوجيا وجامعة طهران وجامعة أمير كبير آلاف المواهب سنويا، وتصنف ضمن أفضل الجامعات في آسيا الوسطى والجنوبية في مؤشر الابتكار العالمي. كما تتجاوز هذه الجامعات دورها الأكاديمي التقليدي، وتتحول إلى حاضنات للأعمال الناشئة، لتدعم عشرات الشركات الناشئة في مختلف المجالات مثل مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الطبية وغيرها.

على سبيل المثال أنشأت جامعة شريف مراكز ريادة أعمال مثل “منطقة شريف للابتكار”، كما يحتوي متنزه العلوم والتكنولوجيا بجامعة طهران (UTSTP) على أكثر من 300 شركة تعمل في مجالات التقنية الحيوية والطاقة والزراعة، وتوظف آلاف الأشخاص، مع الاستفادة المباشرة من موارد الجامعة العلمية ومختبراتها، مما يحول آلاف المواهب إلى وقود للاقتصاد الرقمي؛ حيث يدفع نقص الفرص في القطاعات الأخرى وصعوبة الهجرة آلاف الخريجين نحو الاقتصاد الرقمي كمسار بديل، مما يجعل رأس المال البشري الإيراني هو الوقود الحقيقي لـ”وادي السيليكون” الإيراني.

ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر في سد الفجوة بين البحث الأكاديمي والتسويق التجاري، إضافة إلى ضعف التمويل والشراكات الدولية، وهو ما يحد من القدرة على تحويل هذه الطاقة البشرية إلى نمو مستدام أو منافسة عالمية حقيقية.

“يحتوي متنزه العلوم والتكنولوجيا بجامعة طهران على أكثر من 300 شركة تعمل في مجالات التقنية الحيوية والطاقة والزراعة”

يمكننا النظر إلى وادي السيليكون الإيراني كنموذج فريد للابتكار تحت الحصار، وتجربة معقدة تثبت قدرة القيود على تحويل الندرة إلى دافع للحراك. لقد نجحت الشركات الإيرانية في بناء منظومة رقمية موازية كاملة، من الدفع الإلكتروني والتخزين السحابي إلى التجارة الإلكترونية والنقل والصحة الرقمية، معتمدة على رأس مال بشري غني، ورغم ذلك فهذا النموذج يحمل تناقضاته التي لا يمكن تجاهلها. فبالرغم من أن العزلة والحماية القسرية سمحت للمنصات الإيرانية بالنمو السريع في ظل غياب المنافسة، فقد تضعف قدرتها على التنافس عند رفع العقوبات.

كما أن تزايد دور الدولة الذي يتجلى في استحواذها على حصص كبيرة من هذه الشركات يثير التساؤلات حول استقلالية القطاع الخاص على المدى الطويل، وكان أبرز هذه الاستحواذات كما سبق أن أشرنا استحواذ شركة الاتصالات المتنقلة الإيرانية المرتبطة بالدولة على حصة 40% من ديجي كالا، والذي يمثل استثمارا من ناحية ومن ناحية أخرى خطوة لإحكام السيطرة على قطاع متنام.

فهل يتمكن الاقتصاد الرقمي الإيراني من التطور إلى منظومة قادرة على المنافسة العالمية، أم يظل مجرد أداة للنجاة؟ ربما لا ينافس “وادي السيليكون الإيراني” نظائره حول العالم، لكنه دليل حي على قدرة الإبداع على تخطي الحصار. ودليل في الآن ذاته أن الإبداع وحده لا يكفي للمنافسة، تحت القيود السياسية والاقتصادية الزائدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى