قبل غرينلاند.. لوباريزيان: هكذا توسعت الولايات المتحدة عبر الصفقات

أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن اهتمامه المتزايد بشراء جرينلاند، الجزيرة الدانماركية ذاتية الحكم، مما أثار نقاشًا واسعًا حول إمكانية حدوث صفقة تاريخية وتداعياتها الجيوسياسية. وتأتي هذه الخطوة في سياق تاريخ طويل من التوسع الأمريكي، ولا يزال مستقبل هذه الجزيرة الاستراتيجية غير واضح حتى الآن.
وقالت مصادر إخبارية أن ترامب يدرس بنشاط إمكانية الاستحواذ على جرينلاند، وهو ما أثار قلقًا في أوساط الأوروبيين، خاصةً الدانمارك التي تعتبر الجزيرة جزءًا لا يتجزأ من أراضيها. وتعتبر هذه المحاولة، على الرغم من عدم نجاحها في الماضي، مؤشرًا على رغبة واشنطن في تعزيز نفوذها في المنطقة القطبية الشمالية.
تاريخ طويل من الاستحواذ: سعي الولايات المتحدة لـ شراء جرينلاند في سياق أوسع
لا يعتبر اهتمام الولايات المتحدة بـ جرينلاند أمرًا جديدًا أو منعزلاً، بل هو جزء من نمط تاريخي يعود إلى بدايات تشكيل الولايات المتحدة. فمنذ عام 1776، اعتمدت السياسة الأمريكية على مزيج من الضغط السياسي، والتفاوض، والصفقات المالية لتوسيع رقعة البلاد.
بدأت هذه السلسلة التاريخية بشراء لويزيانا من فرنسا عام 1803، وهو ما ضاعف مساحة الولايات المتحدة تقريبًا. تبع ذلك ضم فلوريدا من إسبانيا، والاستيلاء على مساحات واسعة من المكسيك بعد حرب عام 1848. كما لا يمكن إغفال شراء ألاسكا من روسيا عام 1867، والذي اعتبر في البداية صفقة غير موفقة، لكنه أثبت لاحقًا أهميته الاستراتيجية والاقتصادية الكبيرة.
التوسع الأمريكي خارج القارة
لم يقتصر التوسع الأمريكي على القارة، بل امتد ليشمل مناطق أخرى حول العالم. ففي أعقاب الحرب مع إسبانيا عام 1898، استحوذت الولايات المتحدة على الفلبين وبورتوريكو وغوام. لاحقًا، اشترت الولايات المتحدة جزر العذراء من الدنمارك عام 1917، مما يعكس استمرار هذا النهج في بناء القوة والنفوذ الأمريكي.
ويرى مراقبون أن السعي لـ شراء جرينلاند يتماشى مع هذا التاريخ، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تأمين مصالحها الاستراتيجية في منطقة القطب الشمالي، التي تزداد أهميتها مع ذوبان الجليد وتغير المناخ. وتشمل هذه المصالح الوصول إلى الموارد الطبيعية، وتعزيز القدرات العسكرية، ومراقبة الممرات المائية الهامة.
الأهمية الاستراتيجية لجرينلاند والاعتبارات الجيوسياسية
تكمن الأهمية الاستراتيجية لجرينلاند في موقعها الجغرافي الفريد، حيث تقع بين المحيط الأطلسي والمحيط المتجمد الشمالي. وتعتبر الجزيرة بوابة هامة للسفن والغواصات، مما يجعلها ذات أهمية كبيرة للولايات المتحدة وحلفائها في الناتو.
وفقًا لتقارير، تعرب الولايات المتحدة عن اهتمامها بتوسيع وجودها العسكري في جرينلاند، بما في ذلك إنشاء محطات رادار لمراقبة حركة السفن والغواصات الروسية في المياه المحيطة بالجزيرة. ويأتي هذا في ظل تزايد التوترات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وروسيا، ورغبة واشنطن في تعزيز قدراتها الدفاعية في المنطقة.
ومع ذلك، يواجه هذا الطموح تحديات كبيرة، حيث ترفض الدنمارك وحكومة جرينلاند المحلية أي فكرة عن بيع الجزيرة. وتؤكد جرينلاند، التي تتمتع بحكم ذاتي واسع، على حقها في تقرير مصيرها، وأن أي تغيير في وضعها يجب أن يتم بموافقة شعبها.
بالإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة للاستيلاء على جرينلاند بالقوة قد تؤدي إلى تصعيد كبير في التوترات مع الدنمارك والاتحاد الأوروبي، وقد تثير ردود فعل دولية سلبية.
مستقبل جرينلاند: سيناريوهات محتملة
على الرغم من رفض الدنمارك وحكومة جرينلاند لبيع الجزيرة، إلا أن ترامب لم يستبعد استخدام جميع الخيارات المتاحة، بما في ذلك الضغط الاقتصادي والعسكري. ويرى بعض المحللين أن واشنطن قد تحاول تقديم حوافز مالية كبيرة لجرينلاند والدنمارك، أو قد تلجأ إلى تكتيكات أخرى للضغط عليهما.
في المقابل، من المرجح أن تواصل جرينلاند والدنمارك التأكيد على حقوقهما السيادية، وأن تسعيان إلى تعزيز العلاقات مع دول أخرى في المنطقة، مثل كندا والنرويج.
من المتوقع أن يشهد هذا الملف تطورات جديدة في الأشهر المقبلة، خاصةً مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024. وسيكون من المهم مراقبة ردود الفعل الدولية، وموقف الدنمارك وحكومة جرينلاند، وأي تحركات عسكرية أو اقتصادية قد تقوم بها الولايات المتحدة.
يبقى مستقبل جرينلاند معلقًا، ويتوقف على التوازنات الجيوسياسية المعقدة، والمصالح المتضاربة للقوى الكبرى، والإرادة السياسية للشعب الجرينلاندي.





