احتجاجات بتركيبة مختلفة تختبر قدرة إيران على الاحتواء

تشهد إيران احتجاجات واسعة النطاق، بدأت في أوساط التجار وتطورت لتشمل الجامعات، وذلك على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم. وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه البلاد تحديات متعددة، بما في ذلك العقوبات الدولية والجفاف، مما يزيد من الضغوط على الاقتصاد الإيراني. وتُظهر هذه الاحتجاجات تصاعداً في السخط الشعبي، وتُركز بشكل خاص على الأزمة الاقتصادية وانهيار قيمة العملة، مما يثير تساؤلات حول مستقبل الاستقرار في البلاد.
بدأت الاحتجاجات قبل أربعة أيام في الأسواق الرئيسية، ثم امتدت إلى مدن جامعية مختلفة، حيث طالب المتظاهرون بإصلاحات اقتصادية وتحسين مستوى المعيشة. وتُعد هذه الاحتجاجات مختلفة عن تلك التي شهدتها إيران في السابق، إذ يقودها هذه المرة قطاعات اقتصادية مؤثرة، مثل التجار وأصحاب الأعمال، المتضررين بشكل مباشر من السياسات الاقتصادية الحالية.
الأسباب الجذرية للاحتجاجات الاقتصادية في إيران
يعزو الخبراء هذه الاحتجاجات إلى عدة عوامل متداخلة، أبرزها التضخم المرتفع الذي تجاوز 50% سنوياً، بحسب تقديرات اقتصادية. وقد أدت السياسات النقدية غير المستقرة، بالإضافة إلى المشاكل في سلسلة الإمداد، إلى تآكل قيمة الريال الإيراني وتفاقم الأوضاع المعيشية للمواطنين.
يؤكد المحلل الاقتصادي بيمان مولوي أن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف إدارة الاقتصاد الإيراني وعدم القدرة على السيطرة على التضخم. ويشير إلى أن عدم إعادة الشركات المصدرة للنفط والمنتجات الأخرى للعملات الصعبة إلى البلاد يزيد من الضغط على العملة الوطنية ويغذي السوق السوداء.
بالإضافة إلى ذلك، تساهم العقوبات الدولية المفروضة على إيران، بسبب برنامجها النووي، في تفاقم الأزمة الاقتصادية. هذه العقوبات تحد من قدرة إيران على التجارة مع العالم، وتعيق تدفق الاستثمارات الأجنبية، وتزيد من صعوبة الحصول على العملة الصعبة.
دور التجار والجامعات في الحراك
يلفت حسين ريوران، الباحث المتخصص في الشؤون الإيرانية، إلى الدور المحوري الذي يلعبه التجار في هذه الاحتجاجات. فهو يرى أنهم المحرك الرئيسي للحراك، حيث أنهم الأكثر تضرراً من تدهور قيمة العملة وارتفاع تكاليف الاستيراد.
كما يشير ريوران إلى أن انضمام الطلاب والجامعات إلى الاحتجاجات يزيد من زخمها وأهميتها السياسية، وذلك نظراً للدور التاريخي الذي يلعبه الطلاب في الحركات الاجتماعية والسياسية في إيران.
تداعيات الأزمة على الاقتصاد الإيراني
تأتي هذه الاحتجاجات في ظل أزمة اقتصادية شاملة تعاني منها إيران. فالجفاف الذي تشهده البلاد يؤثر سلباً على القطاع الزراعي وإنتاج الغذاء، مما يزيد من الاعتماد على الاستيراد ويزيد من الضغط على العملة الوطنية. وتشير التقارير إلى أن أسعار المواد الغذائية الأساسية ارتفعت بشكل كبير في الأشهر الأخيرة، مما أثار استياءً واسعاً بين المواطنين.
يتفق الخبير في سياسات الشرق الأوسط محجوب الزويري مع ذلك، مؤكداً أن الأزمة الاقتصادية تعكس خللاً هيكلياً في إدارة الاقتصاد الإيراني منذ عام 1979. ويشير إلى أن العقوبات طويلة الأمد والتشريعات الاقتصادية القديمة تعيق التنمية الاقتصادية وتزيد من المشاكل.
وقد أعلن البنك المركزي الإيراني عن حزمة إجراءات تهدف إلى دعم العملة الوطنية واستقرار الأسواق، لكن مدى نجاح هذه الإجراءات لا يزال غير واضحاً. ويعتبر استقالة محافظ البنك المركزي مؤشراً على عمق الأزمة وصعوبة إيجاد حلول لها.
خيارات الحكومة لاحتواء الأزمة الاقتصادية
يرى المحللون أن الحكومة الإيرانية لديها عدة خيارات لاحتواء الأزمة الاقتصادية وتخفيف حدة الاحتجاجات. أحد هذه الخيارات هو تحسين إدارة السياسة النقدية وخفض معدلات التضخم. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للحكومة اتخاذ إجراءات لزيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
ويتفق خبراء الاقتصاد على ضرورة معالجة مشكلة إعادة العملات الصعبة إلى البلاد، من خلال إلزام الشركات المصدرة بإيداع عائداتها في البنوك الإيرانية. وبحسب مولوي، فإن ذلك سيساعد في استقرار سوق الصرف وتعزيز قيمة العملة الوطنية.
في السياق السياسي، يُعتقد أن تخفيف حدة التوتر مع الغرب يمكن أن يساعد في تحسين الأوضاع الاقتصادية في إيران، من خلال رفع العقوبات وتيسير التجارة مع العالم. ومع ذلك، فإن هذا الخيار يتطلب تغييرات كبيرة في السياسة الخارجية الإيرانية.
من المتوقع أن تشهد الأيام القليلة القادمة مزيداً من التطورات في هذا الملف، حيث تترقب الأوساط الإيرانية رد فعل الحكومة على الاحتجاجات. ومن المرجح أن تتخذ الحكومة إجراءات إضافية لدعم العملة الوطنية وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين. ومع ذلك، تبقى التحديات كبيرة، ولا يزال مستقبل الاقتصاد الإيراني غير مؤكداً.





