اكتشافات بجنوب شرق تركيا تشرح حياة البشر في العصر الحجري الحديث

أعلنت تركيا عن اكتشافات أثرية جديدة ومهمة في موقع كاراهان تبة، الواقع بالقرب من غوبيكلي تبة في جنوب شرق البلاد، مما يعزز فهمنا لتطور المجتمعات البشرية في العصر الحجري الحديث. هذه الاكتشافات، التي كشف النقاب عنها يوم الأربعاء، تلقي الضوء على التحول من حياة الصيد وجمع الثمار إلى الاستقرار الزراعي الذي بدأ منذ أكثر من 11 ألف عام في هذه المنطقة.
تُعد مواقع غوبيكلي تبة وكاراهان تبة، المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، من أهم المواقع الأثرية في العالم، حيث يعيد الباحثون تقييم فهمهم للعصور ما قبل التاريخ بفضل الأدلة المتزايدة التي يتم العثور عليها. تُظهر الاكتشافات الأخيرة مدى تعقيد الحياة الاجتماعية والدينية لهذه المجتمعات القديمة.
غوبيكلي تبة: إعادة كتابة تاريخ الحضارة
يُعرف غوبيكلي تبة بأنه أقدم معبد في العالم، يعود تاريخه إلى العصر الحجري الحديث قبل الفخاري. تُعد هذه الفترة حاسمة في تاريخ البشرية، حيث بدأت المجتمعات في التدجين الزراعي وتطوير أساليب حياة مستقرة. لطالما اعتبرت منطقة الشرق الأوسط، وخاصة بلاد الشام والرافدين، مهدًا لهذه “الثورة الزراعية”.
اكتشافات حديثة تكشف عن تفاصيل جديدة
من بين أحدث الاكتشافات في موقع كاراهان تبة، تم العثور على تمثال بشري فريد يحمل تعابير وجه مميزة. يعتقد علماء الآثار أن هذا التمثال يمثل شخصًا متوفى، وأن تفاصيله تعكس طقوس الموت والمعتقدات الرمزية لدى سكان العصر الحجري الحديث. هذا الاكتشاف يعتبر مكملاً لفهمنا الأوسع لممارسات هذه المجتمعات.
بالإضافة إلى ذلك، كشف التنقيب عن مجموعة متنوعة من القطع الأثرية، بما في ذلك تماثيل حيوانات وبشرية أخرى، وأدوات فخارية، ومجوهرات. تشير هذه الأدلة إلى وجود مجتمع متطور يتمتع بمهارات عالية في الصناعة والفنون.
أكد وزير الثقافة والسياحة التركي، محمد نوري أرصوي، أن هذه المواقع الأثرية تقدم رؤى فريدة حول تاريخ العصر الحجري الحديث والانتقال إلى الحياة المستقرة. وأضاف أن هذه الاكتشافات تشير إلى أن البشرية كانت تتمتع بمستوى متقدم من الوعي والثقافة في تلك الفترة المبكرة.
وصرح أرصوي أن مشروع “التلال الحجرية” يحظى باهتمام عالمي متزايد، ويتوقع أن يستقبل موقع غوبيكلي تبة حوالي 800 ألف زائر هذا العام. وهذا يؤكد على الأهمية المتزايدة لهذه المواقع في جذب السياح والباحثين من جميع أنحاء العالم.
يشمل مشروع التلال الحجرية 12 موقعًا أثريًا من العصر الحجري الحديث في منطقة شانلي أورفا. تضم هذه المواقع هياكل ضخمة ذات شكل بيضاوي، محاطة بأعمدة حجرية جيرية على شكل حرف “T”. يعتقد أن هذه الهياكل كانت تستخدم للتجمعات الدينية والاجتماعية، وأنها تمثل أقدم أشكال العمارة الدينية في العالم.
وصف رئيس فريق التنقيب، نجمي كارول، بناة هذه الهياكل بأنهم حرفيون ماهرون للغاية. وأضاف أن التنوع الكبير في الأدلة المكتشفة يوفر فهمًا أعمق للمجتمعات التي عاشت في تلك الفترة. وتشير الاكتشافات إلى أنهم لم يكونوا مجرد صيادين وجامعي ثمار، بل كانوا يمتلكون أيضًا قدرات تنظيمية واجتماعية متقدمة.
ويُنظر إلى الاكتشافات في غوبيكلي تبة وكاراهان تبة على أنها تدعم نظرية مفادها أن الحاجة إلى تنظيم العمل الجماعي في بناء هذه الهياكل الضخمة لعبت دورًا رئيسيًا في تطوير الزراعة والاستقرار. فقد احتاجت هذه المجتمعات إلى توفير الغذاء للمشاركين في البناء، مما أدى إلى تطوير أساليب زراعية جديدة.
العصر الحجري الحديث يشكل منعطفاً حاسماً في تاريخ البشرية. كما أن هذه المواقع الأثرية تقدم لنا فهماً جديداً عن هذا العصر وتطور المجتمعات البشرية.
من المتوقع أن تستمر أعمال التنقيب في هذه المواقع لسنوات عديدة قادمة. وستساعد الاكتشافات المستقبلية في توفير المزيد من التفاصيل حول حياة ومعتقدات سكان العصر الحجري الحديث. الأولوية الآن هي الحفاظ على هذه المواقع وحمايتها من التلف، مع السعي إلى فهم أعمق لأهميتها التاريخية والثقافية. لا يزال هناك الكثير لاستكشافه في هذه المنطقة الغنية بالآثار، مما يجعلها مركزًا رئيسيًا للأبحاث الأثرية في السنوات القادمة.





