الأدباء في رمضان.. هجرة من صخب الكتابة إلى ملاذ القراءة

يُعد شهر رمضان المبارك محطة استثنائية في حياة الأدباء والمفكرين، حيث يشهد تحولاً ملحوظاً في أولوياتهم الثقافية. فبدلاً من التركيز على الكتابة، يميلون إلى تعميق علاقتهم بالقراءة، محولين إياها إلى فعل تأملي عميق يتجاوز مجرد تمضية الوقت. هذا التحول يمنحهم فرصة لإعادة صياغة علاقتهم بالتفكير والتأمل، وهما ركيزتا الإبداع، مما يفتح لهم آفاقاً جديدة في فهم الذات والعالم.
رمضان: محطة تأمل وتجديد ثقافي للأدباء
يعتبر العديد من الأدباء والكتاب والمفكرين شهر رمضان ليس مجرد فترة عبادة وصيام، بل محطة محورية في مسارهم الثقافي السنوي. خلال هذا الشهر الفضيل، يزداد منسوب القراءة بشكل ملحوظ، ويتراجع بالمقابل وقت الكتابة. تتحول القراءة من عادة يومية إلى فعل تأملي يتطلب تركيزاً واستغراقاً، بعيداً عن أي دوافع لتمضية الوقت.
إن الخلوة الروحية التي يمنحها الصيام تدفع المبدعين إلى إعادة تقييم علاقتهم بفعل التفكير والتأمل، اللذين يرتبطان بشكل وثيق بعمليتي القراءة والكتابة. هذا المناخ الديني والروابط الاجتماعية المتجددة خلال الشهر الفضيل، يتيح لهم مساحات واسعة للانغماس في القراءة، وجعلها مكوناً أساسياً في برنامجهم اليومي.
هذا التحول في طبيعة الحياة اليومية للأدباء يغير من إيقاع طقوسهم المنزلية، ويساعدهم في التغلب على “لذة الكسل” التي قد تنتابهم أحياناً نتيجة الشعور باليأس أمام الواقع العربي. بالتالي، يساهم رمضان في تجديد طاقتهم الفكرية وإعادة شحن مخزونهم المعرفي.
ويرى الكثير من المبدعين العرب أن علاقتهم بالكتابة تتراجع خلال هذا الشهر، لتفسح المجال بشكل أكبر لفعل القراءة. هذه القراءة لا تقتصر على الجانب المهني أو التخصصي، بل تتسع لتشمل أمات الكتب الفكرية والتاريخية والدينية والتراثية، مما يثري حصيلتهم المعرفية.
هذا الانفتاح على مختلف أنواع المعرفة يمنح الكاتب/القارئ متعة فكرية تطهر روحه وتجدد أدواته المفاهيمية وثقافته العامة. وينعكس هذا التجديد إيجاباً على أسلوبه في الكتابة ورؤيته للقضايا، فتصبح كتاباته أكثر عمقاً وأصالة، وتتجاوز السطحية إلى استكشاف الأبعاد العميقة للأفكار.
ولأهمية هذا الانغماس في القراءة، يفضل غالبية المبدعين تجنب الدعوات العائلية المتزايدة في رمضان. وعلى الرغم من أن هذه اللقاءات تعزز الروابط الاجتماعية، إلا أنهم يحتاجون إلى فترات من العزلة والانفراد بالنفس، للاستماع إلى “هسيس الجسد” وفهم إيقاعه الوجودي.
إن هذا الاستماع والتأمل الداخلي لا يتحقق إلا عبر فعل القراءة، الذي يعتبر المدخل الآمن لبناء علاقة حسية مع الذات وموسيقاها الداخلية. هذه العلاقة غالباً ما تفتقد في زحمة المواعيد اليومية وضجيج التجمعات الاجتماعية، خاصة خلال المناسبات الدينية.
القراءة: غذاء الروح وتوسيع الآفاق
يصف الكاتب والناقد السوري سامي داوود تجربته مع القراءة في رمضان بأنها “تلمذة دائمة”، ويرى فيها درباً لا يعرف التعب. يعتبر القراءة نشاطاً يومياً ضرورياً مثل الغذاء، يحتاج إليه لتجديد التأمل في وجوده وعلاقته بالآخرين في العالم.
ولسنوات، يركز داوود في قراءاته على موضوعات الكراهية والحرب والحدود. هذا التركيز له بعدان: الأول مهني، نظرًا لتخصصه الأكاديمي في تاريخ الأفكار والعواطف المحرضة على العنف. والآخر شخصي، بهدف استخلاص مفاهيم عامة يمكن فهمها من تجربته الخاصة في سوريا والعراق.
ويرى داوود أن الثقافة حين تتخلى عن القيم الإنسانية وتتجنب النقد الذاتي، فإنها تنحدر إلى “خدر ذهني” يؤدي إلى تدمير الذات والانقياد وراء رموز العنف، في حالة وصفها بالهذيان الجماعي.
يوزع داوود يومياته بين مكتبه الجامعي، الأرشيفات، وطاولة المطبخ، مؤكداً أن إيقاع قراءته لا يتغير بين رمضان وغيره. يعتبر العزلة شرطاً للكتابة، فالجملة المكتوبة بأسلوب خاص تتطلب صمتاً واسعاً وقراءة مستمرة.
ويواجه الكتابة صعوبة متزايدة اليوم، حيث تتيح التقنية لغير القراء سرقة النصوص أو تسويقها بأسماء مزيفة. لكنه يخلص إلى أن الجوهر الجمالي يظل عصياً على البرمجة، وأن التعبير، كما يرى الفيلسوف موريس ميرلوبونتي، لا ينقل الأفكار فقط، بل يساعدنا على اكتشاف حقيقة أنفسنا.
الكتابة في رمضان: بين العزلة والتواصل
أما الكاتبة والروائية المصرية رشا عدلي، فتصف رمضان بأنه شهر اللمات واللقاءات العائلية، حيث تتكثف العلاقات الإنسانية. ونتيجة لذلك، تقل قراءاتها خلال هذا الشهر لتتناسب مع إيقاعه المختلف وانشغالاته الدافئة.
حين تقرأ في رمضان، تميل عدلي إلى الروايات الطويلة والنصوص التي تمزج بين التأمل والسرد، وكتب التجارب الإنسانية والروحية العميقة. لا تبحث عن كثافة القراءة، بل عن عمقها.
طقوس كتاباتها لا تتبدل، تبدأها مبكراً كعادتها، وتتنوع بين المقال والمحاضرة والكتابة الإبداعية. لديها رواية تعمل عليها باستمرار، لكن وتيرة الكتابة الإبداعية تنخفض في رمضان، لإفساح المجال لحضور إنساني أكثر تركيزاً وتفاصيل يومية تحمل دفئاً خاصاً.
في المقابل، يجد الباحث اللبناني جوزيف عيساوي نفسه بعد الإفطار في صالات القهوة، حيث يمزج بين الحروف ويعيد ترتيبها وفق ما يقتضيه النص أو الدراسة. يختار العزلة في هذه الصالات المزدحمة لتحقيق أفكاره وفهم النصوص وتفسيرها.
يرى عيساوي أن النص هو “أنا آخر” يتحدث إليه، ويتفاعل معه داخلياً، ويتصارع بين معتقداته وتصوراته وما يأتي به النص. غالباً ما يغلب النص، نظراً لكثرة معرفة كاتبه ومكانته في حقل تخصصه.
يساعد الجلوس على الكرسي على تلقي الكلمات والحروف بجدية واحترام للكاتب والنص. يستخدم الحاسوب كأداة كتابة، فهو ينطق بما يريد كتابته بعد التلقي.
وتشاركه القهوة أفكاره وتسهل تداول المفاهيم بينه وبين النص. فالقهوة، كطقس رمزي يتيح التواصل بين البشر، تعزز تركيزه وتطور أفكاره، وتعيده إلى زمن تدوين النص، ليشارك كاتبه أفكاره ومشاعره.
يختار عيساوي وقت الكتابة بناءً على دفعته الشعورية، ولا يحتاج إلى الوحي، بل إلى الراحة قبل التدوين. حتى في رمضان، يزداد لديه استعداد العقل لاكتساب المعرفة، ويتوقع أن تتحسن أفكاره في هذه المناسبة السعيدة.





