“الأوديسة” و”يوم الكشف” يتصدران سباق صيف هوليود

قدم المخرج البريطاني كريستوفر نولان أول عرض من فيلمه الجديد “الأوديسة” (The Odyssey)، كاشفا عن ملامح عمل ملحمي يُعد من أبرز مشاريع هوليود المنتظرة لعام 2026، ويستند إلى ملحمة هوميروس التي تتبع رحلة البطل اليوناني أوديسيوس للعودة إلى وطنه بعد حرب طروادة، في سرد يجمع بين الأسطورة والتجربة الإنسانية.
وجاء هذا الكشف ضمن فعاليات مؤتمر “سينماكون” في مدينة لاس فيغاس، وهو أكبر تجمع سنوي لصناعة السينما ودور العرض، وفيه تعرض الاستوديوهات الكبرى مشاريعها المقبلة أمام مالكي صالات العرض، وفق ما أفادت به وكالة أسوشيتد برس.
اقرأ أيضا
list of 4 itemsend of list
وأثناء العرض، قال نولان إن “الأوديسة قصة أسرت أجيالا على مدى 3000 عام”، مضيفا أنها “ليست مجرد قصة، بل هي القصة”، كما عرض مشاهد موسعة تضمنت حصان طروادة ولقطات التسلل الليلي إلى المدينة، في إعادة سينمائية لأحد أكثر المشاهد شهرة في الأدب الإغريقي، بحسب المصدر نفسه.
ويؤدي مات ديمون دور أوديسيوس، في حين تشارك آن هاثاواي في دور بينيلوبي، وتوم هولاند في دور تيليماكوس، إلى جانب زيندايا وروبرت باتينسون، ضمن طاقم تمثيلي كبير يعكس طابع الإنتاج الضخم، وهو ما وصفته تقارير بأنه رهان واضح على عودة السينما الملحمية إلى صالات العرض.
والفيلم هو أول عمل سينمائي يُصوَّر كله باستخدام كاميرات “آي ماكس” (IMAX)، بعد تطوير تقنيات جديدة أقل ضجيجا، وهو ما أشار إليه نولان أثناء العرض، مؤكدا أن هذا التطور يحقق حلما راوده منذ سن السادسة عشرة، بحسب أسوشيتد برس. ويأتي الفيلم بعد النجاح الكبير الذي حققه نولان في فيلم “أوبنهايمر” (Oppenheimer)، الحائز على جائزة الأوسكار، مما يعزز الانتظارات الكبيرة من هذا العمل الجديد.
وجاء عرض “الأوديسة” ضمن تقديم شركة “يونيفرسال بيكتشرز” مشاريعها المقبلة أمام مالكي دور العرض، والتي تضمنت أيضا فيلما جديدا من سلسلة “Minions”، إلى جانب فيلم الخيال العلمي “يوم الكشف” (Disclosure Day) للمخرج الأمريكي ستيفن سبيلبرغ، الذي شكّل بدوره أحد أبرز محاور الحدث.
وفي ظهوره، حظي سبيلبرغ باستقبال حافل تضمن عرضا استعاديا لمسيرته السينمائية، وتصفيقا مطولا من الحضور، كما مُنح تكريما خاصا من جمعية الأفلام الأمريكية أثناء مشاركته الأولى في المؤتمر، وفق ما أوردته أسوشيتد برس.
وقال سبيلبرغ إن فيلمه الجديد، الذي يُعد العمل الخامس والثلاثين في مسيرته، ينطلق من اهتمامه الطويل بظاهرة الأجسام الطائرة المجهولة، مشيرا إلى أنه بعد نحو خمسين عاما من فيلم “لقاءات قريبة مع النوع الثالث” (Close Encounters of the Third Kind) الذي قدمه عام 1977، بات مقتنعا بوجود “قدر من الحقيقة” وراء هذه الظواهر. وأضاف أن الفيلم، الذي يشارك في بطولته إيميلي بلانت وجوش أوكونور، أُحيط بسرية كبيرة، خصوصا فيما يتعلق بأحداثه النهائية.
وقال “كل ما يمكنني قوله إنه تجربة… وكل ما تحتاجه للانتقال من البداية إلى النهاية هو حزام الأمان”، بحسب المصدر نفسه.
وتطرق سبيلبرغ إلى واقع صناعة السينما، مؤكدا أن استمرارها يعتمد على تقديم قصص أصلية، قائلا “هذا ما سيبقي هذه الصناعة على قيد الحياة”، في وقت تواجه فيه دور العرض تحديات مستمرة منذ جائحة كورونا.
الأوديسة: الأسطورة والفيلم
فيلم “الأوديسة” للمخرج كريستوفر نولان محاولة سينمائية لإعادة قراءة واحدة من أقدم وأهم النصوص المؤسسة في التاريخ الإنساني، إذ يستند إلى ملحمة هوميروس التي كُتبت قبل نحو ثلاثة آلاف عام، وظلت منذ ذلك الحين مرجعا سرديا ألهم الأدب والسينما معا.
لا يتعامل نولان مع الحكاية باعتبارها أسطورة، فهي قصة نشأة الحياة بالنسبة له، وهو ما يفسر سعيه إلى تقديم معالجة تجمع بين الواقعية الحسية والبعد الميثولوجي، عبر ما وصفه بـ”الواقعية الملموسة” التي تحاول تفسير الظواهر الخارقة ضمن سياق طبيعي كما كان يُدركه الإنسان القديم.
تدور القصة حول أوديسيوس، ملك إيثاكا، الذي يخوض رحلة طويلة ومحفوفة بالمخاطر بعد انتهاء حرب طروادة، في محاولة للعودة إلى زوجته بينيلوبي وابنه تيليماكوس، وهي رحلة لا تتوقف عند حدود المغامرة، بل تتحول إلى اختبار للهوية والقدرة على الصمود في عالم غير مستقر.
وأثناء هذه الرحلة يواجه البطل كائنات أسطورية مثل العملاق بوليفيموس والسيرينات والساحرة سيرسي، وهي مواجهات تمثل في جوهرها صراع الإنسان مع المجهول والخوف والرغبة، أكثر من كونها مجرد أحداث خيالية.
ويُجسد الممثل مات ديمون شخصية أوديسيوس، وهي قراءة تستلهم ترجمة الباحثة إيميلي ويلسون للملحمة عام 2017، والتي أعادت تقديم الشخصية باعتبارها أكثر إنسانية وأقل مثالية.
وقد خضع ديمون لتحضيرات جسدية صارمة ليعكس هذه الثنائية بين القوة والهشاشة، في حين تظهر الممثلة آن هاثاواي في دور بينيلوبي التي تقاوم ضغوط الخُطّاب في غياب زوجها، بينما يؤدي الممثل توم هولاند دور الابن الباحث عن والده، في خط درامي موازٍ.
يمثل الفيلم خطوة غير مسبوقة في مسيرة نولان، إذ تصل ميزانيته إلى نحو 250 مليون دولار، ليكون الأضخم في تاريخه، كما يُعد أول عمل يُصوَّر كله بكاميرات “آي ماكس” (IMAX) على شريط 70 مم، باستخدام أكثر من 600 كيلومتر من الفيلم الخام، في محاولة لخلق تجربة بصرية أقرب إلى الإحساس الفيزيائي بالعالم، وليس مجرد تمثيله.
وقد صُوّر الفيلم في مواقع متعددة حول العالم، من المغرب واليونان إلى آيسلندا واسكتلندا، بهدف تجسيد فكرة العالم غير المكتشف التي تشكل جوهر الرحلة الأصلية، حيث يصبح المكان جزءًا من السرد وليس خلفية له.
لكن هذا الطموح البصري لم يخلُ من جدل، إذ واجهت تصميمات الأزياء انتقادات بسبب مجانبتها الدقة التاريخية، وهو ما يعكس التوتر الدائم بين متطلبات هذه الدقة وضرورات اللغة السينمائية.
يتجاوز الفيلم حدود إعادة سرد قصة كلاسيكية، ليطرح سؤالا أوسع حول معنى الرحلة الإنسانية نفسها، وكيف يمكن للسينما الحديثة أن تعيد إحياء نص قديم دون أن تفقد روحه، أو تتحول إلى مجرد استعراض بصري، وهو التحدي الحقيقي الذي يواجه نولان في أحد أكثر مشاريعه طموحا.

“يوم الكشف” خيال ومؤامرة
ويعود المخرج ستيفن سبيلبرغ في فيلمه الجديد “يوم الكشف” (Disclosure Day) إلى أحد أكثر الموضوعات التصاقا بمخيلته السينمائية، وهو سؤال “هل نحن وحدنا؟”، لكن هذه المرة من زاوية أكثر قتامة وارتباطا بعالم السياسة والتكنولوجيا المعاصرة.
فالفيلم، الذي كتبه ديفيد كويب انطلاقا من فكرة أصلية لسبيلبرغ، لا يكتفي بتقديم حكاية عن الأجسام الطائرة المجهولة، بل يبني سردا معاصرا حول مفهوم “الإفصاح” ذاته، أي كشف ما تخفيه المؤسسات الكبرى عن الرأي العام، وما يترتب على ذلك من صراع بين الحقيقة والسلطة.
تدور الأحداث حول شخصية “مارغريت فيرتشايلد”، عالمة الأرصاد الجوية والصحفية السابقة التي تؤدي دورها الممثلة إيميلي بلانت، والتي تجد نفسها في قلب شبكة معقدة من المعلومات المتضاربة، بعد ظهور مؤشرات علمية ترتبط بظواهر جوية غامضة.
بالتوازي، يدخل الفيلم في مسار آخر من خلال شخصية “دانيال كيلنر”، خبير الأمن السيبراني الذي يجسده الممثل جوش أوكونور، والذي يتحول إلى مُسرّب معلومات (whistleblower) يكشف عن بيانات حساسة تتعلق بمشروع سري، مما يضعه في مواجهة مباشرة مع مؤسسة قوية يقودها رجل الأعمال الغامض “نواه سكانلون”، الذي يؤدي دوره الممثل كولين فيرث.
في هذا الإطار، يتقاطع العلم مع السياسة، إذ لا تبدو الظواهر الغامضة مجرد حدث خارجي، بل هي نتيجة تلاعب أو إخفاء متعمد، وهو ما يعززه حضور شخصية “هوغو ويكفيلد” التي يؤديها كولمان دومينغو، بوصفه منشقا عن المؤسسة ومدافعا عن “حق المعرفة”.
صُوّر الفيلم بين نيويورك ونيوجيرسي وأتلانتا في الفترة من فبراير/شباط إلى مايو/أيار 2025، في مواقع حضرية وصناعية تعكس الطابع الواقعي للقصة، على عكس النزعة الخيالية الصرفة التي طبعت بعض أعمال سبيلبرغ السابقة في هذا المجال.
ويبدو أن هذا الاختيار الجغرافي يعكس توجها نحو تأطير الظاهرة في سياق أميركي معاصر، إذ تتقاطع التكنولوجيا مع الأمن القومي، وتصبح الحقيقة نفسها محل نزاع.





