الحرس الثوري الإيراني.. الدور العسكري والنفوذ السياسي

الحرس الثوري الإيراني: من فيلق شعبي إلى اللاعب الأبرز في مفاوضات واشنطن
تحوّل الحرس الثوري الإيراني على مدار 4 عقود من تشكيل ثوري شعبي ضيق النطاق إلى مؤسسة تُمسك بخيوط السياسة والاقتصاد والميدان في آنٍ واحد، لتصبح اليوم اللاعب الأكثر تأثيراً في مصير المفاوضات الجارية مع واشنطن. هذا التحول الجوهري، الذي يستعرض مسيرة المؤسسة منذ تأسيسها عام 1979، يعكس أبعاداً عميقة في بنية السلطة الإيرانية وتأثيرها الإقليمي.
تُظهر البنية الراهنة للحرس حجم التضخم المؤسسي الذي بلغه، حيث تضم قواته البرية والجوية والبحرية ما يزيد عن 185 ألف عنصر، بالإضافة إلى قوات التعبئة الشعبية “الباسيج” التي يُقدر عدد منتسبيها بأكثر من مليوني عنصر. هذه التشكيلات تعمل بشكل منفصل عن الجيش النظامي.
على الصعيد الإقليمي، يلعب فيلق القدس دور الذراع الخارجية للحرس، متخصصاً في العمليات خارج الحدود، لا سيما في الشرق الأوسط. وتبلغ أعداد عناصره نحو 14 ألف فرد، وقد اضطلع تاريخياً بتدريب وتسليح وتمويل جماعات مثل حزب الله اللبناني، وجماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن، وفصائل مسلحة عراقية.
مراحل تطور الحرس الثوري
شهد الحرس الثوري الإيراني ثلاث مراحل تطور فارقة كشفت عنها “الفقرة التحليلية”. تمثلت المرحلة الأولى في حقبة ما بعد الحرب العراقية الإيرانية، حيث قفز الحرس من دوره الأمني إلى دوائر الاقتصاد الواسعة في التطوير العقاري والبناء وإعادة الإعمار، وذلك بدعم من الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني.
جاءت المرحلة الثانية في أواخر التسعينيات، حين دفع صعود حركة الإصلاح الحرس للانخراط في الساحة السياسية، فتحول دوره من حراسة الثورة إلى حماية النظام، بل واتُّهم بقمع حركات احتجاجية متعددة. بدأت المرحلة الثالثة منذ منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة، حيث تبنى الحرس مفهوم الحرب غير المتكافئة وتجاوزت بصمته الإقليمية الحدود الإيرانية.
هذه المراحل تكتمل بصورة مؤسسة لم تعد تكتفي بحماية الثورة، بل باتت تُدير الدولة وتخوض الحروب وتمسك بخيوط التفاوض. يرى الصحفي المتخصص في الشأن الإيراني، عبد القادر فايز، أن المفاوضات الحالية بين واشنطن وطهران تتم عبر قنوات أمنية لا دبلوماسية، ورجالها عسكريون لا سياسيون.
وأوضح فايز أن الهرمية العسكرية الإيرانية تبدأ من المرشد الأعلى، ثم تتدرج نحو المجلس الأعلى للأمن القومي وهيئة أركان القوات المسلحة، وصولاً إلى مقر خاتم الأنبياء الذي يتولى قيادة العمليات الفعلية. القنوات المفتوحة مع واشنطن عبر وسطاء، وفقاً لفايز، يقودها رجال المنظومة الأمنية والعسكرية، وليس الدبلوماسيون.
ورقة هرمز في مساومة طهران
في هذا السياق، يعتبر فايز أن الورقة الوحيدة التي تعتبرها إيران قابلة للتفاوض الآن هي مضيق هرمز، لما لها من أهمية حيوية لأمن الملاحة الدولية وتدفق النفط الخليجي. إلا أن انعدام الثقة بين طهران وواشنطن يزيد من تعقيد المشهد.
أشار فايز إلى ما وصفها بمعادلة غير مسبوقة في تاريخ الجمهورية الإسلامية، مفادها أن من يحكم إيران اليوم هو نفسه من يحارب ويفاوض. ويُستدل على ذلك بأن القرار يُصنع في المربع الأمني أولاً، ثم يُصرّف عبر الواجهة السياسية.
وشدد مسؤولون إيرانيون على أن أي مفاوضات يجب أن تبدأ بوقف الاعتداءات على إيران، ورفضوا أي نقاش حول القدرات العسكرية للعقوبات الأمريكية المتكررة. وحذروا من أن هذه التهديدات ليست سوى محاولة لإجبار طهران على التخلي عن مصالحها الإقليمية، بما في ذلك مضيق هرمز.
ما التالي: مع استمرار تعقيدات المشهد، يبقى التركيز على مدى تطور القنوات الأمنية في التفاوض، وتأثير التطورات الإقليمية على مسار المحادثات. تظل طبيعة “الصفقة المحدودة” المرتبطة بمضيق هرمز، والإطار الزمني المحتمل لها، نقاطاً رئيسية لتتبعها.




