“الصمود القطبي”.. خطوة أوروبية تواجه تصعيدا أميركيا في غرينلاند

أعلنت الدنمارك عن تعزيز وجودها العسكري في جزيرة غرينلاند من خلال عملية “الصمود القطبي”، وهي مبادرة تتضمن تدريبات مشتركة مع دول أوروبية أخرى بهدف زيادة الاستقرار الأمني في المنطقة القطبية الشمالية. وتأتي هذه الخطوة في ظل تزايد الاهتمام الاستراتيجي بالقطب الشمالي، وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، مما يجعل غرينلاند بؤرة جذب عسكري وسياسي متزايد.
وقال وزير الدفاع الدنماركي ترولس لوند بولسن إن العملية تهدف إلى إقامة حضور عسكري دائم أكثر في غرينلاند، بالاعتماد على الجيش الدنماركي وحلفائه من خلال تدريبات دورية وتعزيز الانتشار العسكري. وقد انضمت هولندا إلى فرنسا وألمانيا والنرويج والسويد في إعلانها عن مشاركتها في هذه التدريبات، مما يعكس قلقًا أوروبيًا متزايدًا بشأن التطورات الأمنية في القطب الشمالي.
أهمية غرينلاند الاستراتيجية وتصاعد التنافس
تكتسب جزيرة غرينلاند أهمية استراتيجية متزايدة نظرًا لموقعها الجغرافي الفريد في القطب الشمالي، والذي يتيح لها السيطرة على ممرات بحرية حيوية. بالإضافة إلى ذلك، فهي غنية بالموارد الطبيعية، بما في ذلك المعادن الأرضية النادرة، مما يزيد من جاذبيتها للقوى الكبرى. وتشير التقارير إلى أن ذوبان الجليد في القطب الشمالي يفتح فرصًا جديدة للاستغلال الاقتصادي والعسكري، مما يزيد من حدة التنافس في المنطقة.
وتأتي عملية “الصمود القطبي” في سياق سعي الدنمارك لتعزيز دورها في حماية مصالحها ومصالح حلفائها في القطب الشمالي. وتسعى الدنمارك إلى طمأنة الولايات المتحدة بشأن التزامها بالحفاظ على الاستقرار الأمني في المنطقة، في الوقت الذي تتزايد فيه المخاوف بشأن النفوذ الروسي والصيني المتزايد.
مشاركة محدودة وتحديات أوروبية
على الرغم من إعلان عدد من الدول الأوروبية عن مشاركتها في التدريبات، إلا أن حجم هذه المشاركة لا يزال محدودًا في هذه المرحلة. وتشير المعلومات إلى أن بعض الدول تساهم بأعداد رمزية من الضباط والجنود، مما يعكس التحديات التي تواجهها أوروبا في تعزيز حضورها العسكري في القطب الشمالي. وتتضمن هذه التحديات القيود المالية واللوجستية، بالإضافة إلى الاختلافات في الأولويات السياسية والاستراتيجية بين الدول الأوروبية.
وفي أعقاب اجتماع عُقد في البيت الأبيض بمشاركة مسؤولين من الدنمارك وغرينلاند، لم يتم تحقيق اختراق ملموس في الموقف الأمريكي. وتشير بعض المصادر إلى أن الولايات المتحدة لا تزال مترددة في دعم جهود الدنمارك لتعزيز وجودها العسكري في غرينلاند، وتفضل الحفاظ على الوضع الراهن.
خطط مستقبلية وتأكيد على المسؤولية الأوروبية
من المتوقع أن تشمل الخطوات المقبلة تعزيز انتشار السفن الحربية في الممرات المائية المحيطة بغرينلاند، بالإضافة إلى إرسال المزيد من الطائرات المقاتلة ونشر عدد أكبر من الجنود على أراضي الجزيرة. تهدف هذه الإجراءات إلى التأكيد على التزام الدنمارك وحلفائها الأوروبيين بحماية المنطقة، والتأثير على الموقف الأمريكي.
وأكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن بلاده قررت الانضمام إلى المناورات التي أعلنتها الدنمارك، مشيرًا إلى أن أوروبا تتحمل مسؤولية خاصة تجاه غرينلاند، نظرًا لانتمائها إلى الاتحاد الأوروبي ودورها كحليف في حلف شمال الأطلسي (الناتو). وشدد ماكرون على ضرورة مواجهة أي تهديد لمصالح أوروبا في المنطقة بحزم، مع احترام السيادة الإقليمية.
في المقابل، أعلنت الحكومة الألمانية عن إرسال فريق استطلاع عسكري إلى غرينلاند لتقييم سبل دعم الدنمارك في تأمين المنطقة. وأشار وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس إلى أن الناتو لن يسمح لروسيا والصين باستغلال المنطقة القطبية الشمالية لأغراض عسكرية، مؤكدًا على أهمية التنسيق الوثيق بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بشأن عمليات الاستطلاع في غرينلاند.
بينما أعلنت بولندا أنها لن ترسل جنودًا إلى غرينلاند، إلا أن رئيس الوزراء البولندي دونالد تاسك أكد أن أي هجوم على دولة عضو في الناتو سيكون له تداعيات كارثية.
مستقبل الأمن في القطب الشمالي
من المرجح أن تشهد المنطقة القطبية الشمالية، وخاصة غرينلاند، زيادة في التوترات الجيوسياسية في الأشهر والسنوات القادمة. وتعتبر المراقبة الدقيقة للتطورات العسكرية والسياسية في المنطقة أمرًا بالغ الأهمية، بالإضافة إلى متابعة ردود الفعل الأمريكية على التحركات الأوروبية. من المتوقع أن تشهد المنطقة أيضًا نقاشات متزايدة حول قضايا الاستدامة البيئية وحقوق السكان الأصليين، والتي يجب أخذها في الاعتبار عند صياغة السياسات الأمنية.





