انخفاض معدل المواليد في الصين إلى أدنى مستوى منذ 1949.. ما الأسباب والتفاصيل؟

شهدت الصين انخفاضًا حادًا في المواليد العام الماضي، ليصل إلى أدنى مستوى له منذ تأسيس الجمهورية الشعبية الصينية في عام 1949. هذا التراجع المستمر في معدل الإنجاب يثير قلقًا متزايدًا بشأن مستقبل التركيبة السكانية للبلاد وتأثيره على النمو الاقتصادي والاجتماعي. البيانات الصادرة عن المكتب الوطني للإحصاء الصيني تشير إلى تحديات كبيرة تواجهها البلاد في سعيها لتعزيز النمو السكاني.
سجل عدد المواليد في الصين عام 2023 حوالي 9.02 مليون مولود، وهو ما يمثل انخفاضًا بنسبة 5.6% مقارنة بالعام السابق. هذا الانخفاض هو الرابع على التوالي، ويؤكد الاتجاه الهبوطي الذي بدأ في عام 2019. وبلغ معدل المواليد 6.39 مولود لكل ألف نسمة، وهو أدنى مستوى له على الإطلاق. وانخفض إجمالي عدد السكان بمقدار 2.08 مليون نسمة ليصل إلى 1.41 مليار نسمة.
تراجع معدل المواليد في الصين: أسباب وتداعيات
يعزى هذا الانخفاض الحاد في معدل المواليد إلى عدة عوامل متداخلة. من بينها ارتفاع تكاليف المعيشة، وتكاليف التعليم والرعاية الصحية، بالإضافة إلى تغير المواقف الاجتماعية تجاه الإنجاب. كما أن سياسة “الطفل الواحد” التي استمرت لعقود تركت آثارًا طويلة الأمد على التركيبة السكانية للبلاد.
العوامل الاقتصادية والاجتماعية
ارتفاع تكاليف تربية الأطفال في المدن الصينية الكبرى يمثل عائقًا كبيرًا أمام العديد من الأزواج. بالإضافة إلى ذلك، يفضل الكثير من الشباب التركيز على حياتهم المهنية وتأجيل الإنجاب أو الاكتفاء بطفل واحد. كما أن زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل وتأخر سن الزواج يلعبان دورًا في هذا التراجع.
تأثير سياسة “الطفل الواحد”
على الرغم من إلغاء سياسة “الطفل الواحد” في عام 2016، واستبدالها بسياسة “طفلين”، إلا أن تأثيرها لا يزال محسوسًا. فقد أدت هذه السياسة إلى تغيير في العادات الإنجابية وتفضيلات الأسر، مما يجعل من الصعب عكس الاتجاه الهبوطي في معدل المواليد.
بالإضافة إلى ذلك، أدت سياسة “الطفل الواحد” إلى اختلال في التوازن بين الجنسين، حيث يفضل الكثير من الأسر إنجاب الذكور. هذا الاختلال قد يؤدي إلى مشاكل اجتماعية واقتصادية في المستقبل.
جهود الحكومة الصينية لتعزيز الإنجاب
أدركت الحكومة الصينية خطورة الوضع، واتخذت عدة إجراءات لتعزيز الإنجاب. تشمل هذه الإجراءات تقديم حوافز مالية للأسر التي تنجب أطفالًا، وتوفير خدمات رعاية أطفال مدعومة، وتحسين إجازة الأمومة والأبوة.
الحوافز المالية وخدمات الرعاية
قدمت بعض المدن والبلدات حوافز نقدية للأسر التي تنجب طفلًا ثانيًا أو ثالثًا. كما تم زيادة الاستثمار في خدمات رعاية الأطفال، بهدف توفير بيئة مناسبة لنمو الأطفال وتخفيف العبء على الأسر.
تعديلات في سياسات العمل
سعت الحكومة أيضًا إلى تعديل سياسات العمل لتمكين المرأة من التوفيق بين حياتها المهنية والأسرية. يشمل ذلك توفير إجازة أمومة مدفوعة الأجر، وتشجيع الشركات على توفير ترتيبات عمل مرنة.
ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن هذه الإجراءات غير كافية لمعالجة الأسباب الجذرية لانخفاض معدل المواليد. ويرون أن هناك حاجة إلى إصلاحات هيكلية أعمق في مجالات التعليم والرعاية الصحية والإسكان.
تراجع عدد السكان له آثار كبيرة على الاقتصاد الصيني. قد يؤدي إلى نقص في القوى العاملة، وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، وتراجع النمو الاقتصادي. بالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي إلى زيادة الضغط على نظام التقاعد.
بالإضافة إلى ذلك، فإن انخفاض عدد الشباب وزيادة عدد كبار السن قد يؤدي إلى تغيير في التركيبة الاجتماعية للبلاد. قد يتطلب ذلك تعديلات في السياسات الاجتماعية والاقتصادية لتلبية احتياجات هذه التركيبة السكانية الجديدة.
من المتوقع أن يستمر انخفاض معدل المواليد في الصين خلال السنوات المقبلة. تشير التقديرات إلى أن عدد السكان قد يبدأ في الانكماش بشكل ملحوظ بحلول عام 2030.
في الوقت الحالي، تركز الحكومة الصينية على تقييم فعالية الإجراءات التي اتخذتها حتى الآن، وتحديد المجالات التي تحتاج إلى تحسين. من المتوقع أن يتم الإعلان عن المزيد من السياسات والإجراءات في الأشهر القادمة، بهدف عكس الاتجاه الهبوطي في معدل الخصوبة.
سيراقب الخبراء عن كثب التطورات السكانية في الصين، وتقييم تأثيرها على الاقتصاد والمجتمع. كما سيتابعون السياسات والإجراءات التي تتخذها الحكومة الصينية لمعالجة هذه التحديات.





