بعد 20 عاما على رحيله.. نجيب محفوظ يحلّق في سماء معرض القاهرة للكتاب

شهد اليوم الأول من معرض القاهرة الدولي للكتاب إقبالًا لافتًا على فعاليات تكريم الأديب العالمي نجيب محفوظ، حيث تحول المعرض إلى منصة للاحتفاء بإرثه الأدبي الغني. نظم المعرض ثلاثين جلسة وندوة ومؤتمرًا، تضافرت معظمها في استكشاف جوانب مختلفة من حياة وأعمال نجيب محفوظ، وتأثيره العميق على الأدب العربي والمصري. لم يقتصر التكريم على فعاليات مخصصة له بشكل مباشر، بل امتد ليشمل نقاشات في مؤتمرات أخرى، وحتى في سياق دراسات أدبية تاريخية.
تنوعت الفعاليات بين معارض تشكيلية مستوحاة من رواياته، وندوات فكرية، ومناقشات نقدية لكتب تناولت حياته وتراثه. أبرز هذه الفعاليات كانت ندوة “جمالية المكان: المدينة في عالم نجيب محفوظ”، واللقاء الفكري الذي حمل اسمه، بالإضافة إلى مناقشة كتاب “أيام الألم: كيف قتلنا نجيب محفوظ؟”. كما شهدت فعاليات أخرى، مثل مؤتمر إدوار الخراط، حضورًا قويًا لأفكار محفوظ وتأثيرها على الأجيال اللاحقة من الأدباء.
“كيف قتلنا نجيب محفوظ؟” سؤال يثير الجدل
لم تكن ندوة مناقشة كتاب “أيام الألم: كيف قتلنا نجيب محفوظ؟” مجرد استعراض لمحتوى الكتاب، بل مثلت فرصة لمكاشفة ثقافية واجتماعية حول الظروف التي أحاطت بحياة الأديب الراحل، وخاصة بعد محاولة اغتياله. أكد مؤلف الكتاب، محمد الباز، أن العنوان يعكس حقيقة ما حدث، وأن المجتمع المصري يتحمل جزءًا من المسؤولية عن الألم الذي عاناه نجيب محفوظ في سنواته الأخيرة.
وأضاف الباز أن الإهانة التي تعرض لها محفوظ بعد محاولة الاغتيال، وعدم إقامة جنازة رسمية تليق بمكانته العالمية، كانت مؤلمة للغاية. وأشار إلى أن الكتاب يسعى إلى طرح أسئلة جديدة حول كيفية تعامل المجتمع مع المبدعين، وكيف يمكن تجنب تكرار مثل هذه المآسي في المستقبل. ويرى الباز أن محفوظ كان ضحية لتقلبات سياسية واجتماعية، وأن إرثه الأدبي يستحق المزيد من التقدير والاحترام.
من جانبه، أوضح الدكتور يسري عبد الله، أستاذ الأدب والنقد بجامعة حلوان، أن الكتاب يقدم سردية مؤثرة للألم الذي عاشه نجيب محفوظ، بدءًا من محاولة الاغتيال وصولًا إلى وفاته. وأشار إلى أن الكتاب يركز على التحولات التي شهدتها حياة الأديب، وكيف أثرت هذه التحولات على إبداعه ورؤيته للعالم. واعتبر الدكتور عبد الله أن حادثة الاغتيال كانت نقطة تحول رئيسية في حياة محفوظ، وأنها سلطت الضوء على هشاشة وضع المبدعين في المجتمع.
جغرافيا روائية في أعمال نجيب محفوظ
ركزت ندوة “جماليات المكان: المدينة في عالم نجيب محفوظ” على العلاقة الوثيقة بين أعمال الأديب الراحل والمدينة المصرية، وخاصة القاهرة. أشار الدكتور أيمن فؤاد سيد إلى أن محفوظ استلهم الكثير من تفاصيل رواياته من الأحياء القديمة للقاهرة، مثل الجمالية والحسين، وأن هذه الأحياء تمثل نواة الهوية المصرية. وأوضح أن محفوظ لم يكتفِ بوصف الأماكن، بل قام بتحويلها إلى شخصيات حية تتفاعل مع الأحداث والشخصيات.
وأضاف الدكتور سيد أن محفوظ كان يولي اهتمامًا كبيرًا بالتفاصيل التاريخية والثقافية للأماكن التي يكتب عنها، وأن هذا الاهتمام يظهر في دقة وصفه للشوارع والأزقة والمباني القديمة. وأكد أن محفوظ استطاع أن يخلق جغرافيا روائية فريدة من نوعها، وأن هذه الجغرافيا أصبحت جزءًا لا يتجزأ من إرثه الأدبي.
وفي سياق متصل، تحدث الشاعر والروائي أحمد فضل شبلول عن علاقة نجيب محفوظ بمدينة الإسكندرية، وكيف أثرت هذه العلاقة على أعماله. أشار إلى أن محفوظ أمضى سنوات طويلة من حياته في الإسكندرية، وأن هذه السنوات تركت بصمة واضحة على شخصيته وإبداعه. وأوضح أن الإسكندرية كانت بمثابة ملاذ للمغتربين والمنبوذين في روايات محفوظ، وأنها كانت تمثل عالمًا مختلفًا عن عالم القاهرة.
نقد إدوار الخراط لمشروع نجيب محفوظ
كشف مؤتمر إدوار الخراط عن رؤية نقدية فريدة لأعمال نجيب محفوظ. أشار الدكتور صبري حافظ إلى أن الخراط كان ناقدًا انتقائيًا، وأنه لم يكتب إلا عن الأعمال التي تتقاطع مع توجهه الأدبي. وأوضح أن الخراط وجه انتقادات لاذعة لبعض أعمال محفوظ، معتبرًا إياها مبتعدة عن روح الحداثة. لكنه في الوقت نفسه، أقر بمكانة محفوظ الكبيرة وأهمية إرثه الأدبي.
وأشار الدكتور حافظ إلى أن الخراط كان يرى أن الأدب يجب أن يغامر ويكسر المألوف، وأن محفوظ لم يفعل ذلك بشكل كافٍ في بعض أعماله. ومع ذلك، فقد أشاد الخراط بمهارة محفوظ في تصوير الواقع المصري، وبقدرته على خلق شخصيات حية ومؤثرة.
من المتوقع أن تستمر فعاليات تكريم نجيب محفوظ في معرض القاهرة الدولي للكتاب خلال الأيام القادمة، وأن تشمل المزيد من الندوات والمناقشات التي تستكشف جوانب مختلفة من حياته وإبداعه. كما يترقب النقاد والجمهور صدور المزيد من الدراسات والكتب التي تتناول إرث محفوظ وتأثيره على الأدب العربي.





