بكين تفتح تحقيقا في استحواذ “ميتا” على “مانوس” للذكاء الاصطناعي

في خطوة تصعيدية جديدة ضمن “حرب التكنولوجيا الباردة” بين واشنطن وبكين، أعلنت وزارة التجارة الصينية فتح تحقيق رسمي في صفقة استحواذ شركة “ميتا” (Meta) الأميركية على شركة الذكاء الاصطناعي الناشئة “مانوس” (Manus). يثير هذا التحقيق تساؤلات حول مستقبل الاستثمار الأجنبي في قطاع الذكاء الاصطناعي وكيفية تعامل الدول مع نقل التكنولوجيا الحساسة.
التحقيق الذي بدأ في الأول من نوفمبر 2026، يتعلق بصفقة تقدر بنحو ملياري دولار، وقد أثارت انتقادات السلطات الصينية التي تعتبرها تهديدا للأمن القومي واستنزافا للعقول التقنية الصينية في مجال الذكاء الاصطناعي. وتشير التقارير إلى أن التحقيق سيركز على جوانب متعددة من الصفقة بما في ذلك نقل التكنولوجيا والبيانات، والامتثال للوائح الصينية المتعلقة بالصادرات والاستثمارات الأجنبية.
ما هي شركة مانوس (Manus)؟
تُعد “مانوس” واحدة من أسرع الشركات الناشئة نموا في العالم، وهي متخصصة في تطوير “وكلاء الذكاء الاصطناعي” (AI Agents). هذه الوكلاء قادرون على تنفيذ مهام رقمية معقدة بشكل مستقل، كالتحليل المالي وإدارة المشاريع البرمجية، وحتى إجراء مقابلات عمل. تكتسب الشركة أهمية كبيرة لقدرتها على تطوير حلول ذكية قابلة للتطوير في مجالات متنوعة.
رغم انتقال مقر الشركة مؤخرا إلى سنغافورة، إلا أن جذورها وفريقها الهندسي الأساسي وتقنياتها الأولية نشأت بالكامل في الصين. هذا الأمر يمثل تحديًا إضافيًا للتحقيق، حيث تسعى السلطات الصينية لفهم طبيعة العلاقة بين “مانوس” وشركاتها ومؤسساتها البحثية.
محاور التحقيق الثلاثة
أكد المتحدث باسم وزارة التجارة الصينية أن التحقيق سيشمل مراجعة دقيقة للصفقة وتركيزه على ثلاثة محاور قانونية رئيسية. هذه المحاور تهدف إلى تحديد ما إذا كانت “ميتا” قد التزمت باللوائح الصينية أم لا.
- مراقبة الصادرات: التحقق مما إذا كانت التكنولوجيا التي طورتها “مانوس” داخل الأراضي الصينية قد نقلت إلى “ميتا” دون الحصول على تراخيص تصدير رسمية، وفقا لقائمة التقنيات المقيدة الصادرة في يوليو/تموز 2025.
- ظاهرة “غسيل الهوية السنغافوري” (Singapore Washing): تشتبه بكين في أن انتقال مقر الشركة إلى سنغافورة كان “مناورة” للالتفاف على الرقابة الصينية وتسهيل الاستحواذ الأميركي، وهو ما تصفه السلطات بـ “غسيل الهوية التقني”.
- لوائح الاستثمارات الخارجية: مراجعة كيفية خروج المستثمرين الصينيين الأوائل مثل شركة “تنسنت” من الصفقة، ومدى توافق ذلك مع ضوابط الاستثمار العابر للحدود.
رسالة حازمة: “المواهب ليست للبيع”
يرى محللون أن التحقيق يحمل رسالة سياسية تتجاوز المراجعة القانونية، إذ تسعى بكين لوضع حد لـ “نزيف الأدمغة” التقني. وتعتبر بكين أن الذكاء الاصطناعي هو مجال استراتيجي حيوي، و تسعى للحفاظ على ريادتها فيه.
في هذا السياق، يرى خبراء اقتصاديون أن الأمن القومي بات الأولوية القصوى لصناع القرار في الصين، وأن أية نقل للتكنولوجيا أو المواهب قد يمنح الولايات المتحدة ميزة تنافسية سيخضع لتدقيق صارم. كما أن هذا التحقيق يعكس قلق الصين بشأن الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية في المجالات الحيوية.
موقف ميتا والسيناريوهات المتوقعة
سعت “ميتا” لتهدئة المخاوف الصينية والأميركية على حد سواء، مؤكدة نيتها قطع كافة علاقات “مانوس” بالصين بعد إتمام الصفقة. يشمل ذلك إغلاق العمليات هناك ونقل الموظفين الأساسيين إلى مقراتها العالمية. تأتي هذه الخطوة في محاولة لتجنب المزيد من التدقيق التنظيمي.
النتائج المحتملة للتحقيق متعددة، وتشمل:
- الموافقة المشروطة: فرض قيود على استخدام الخوارزميات المطورة في الصين، أو منع نقل “أوزان النماذج” (Model Weights) الأصلية.
- التجميد الطويل: إطالة أمد التحقيق لعدة أشهر، مما يعطل خطط “ميتا” لدمج تقنيات “مانوس” في “واتساب” و”فيسبوك” ونظاراتها الذكية.
- المنع الكامل: وهو السيناريو الأبعد احتمالا، لكنه يظل مطروحا إذا اعتبرت بكين التقنية حيوية للدفاع الوطني.
يمثل هذا التحقيق اختبارا حقيقيا لقدرة الشركات الناشئة على “العولمة” في ظل التوترات الجيوسياسية، ويتطرق إلى سؤال حول قدرة “ميتا” على الاستفادة من خبرة “مانوس”. من المتوقع أن يستمر التحقيق لعدة أشهر، مع إمكانية صدور قرار نهائي بحلول الربع الأول من عام 2027. وسيكون رد فعل الإدارة الأمريكية و الشركات التكنولوجية الأخرى في حالة قرار المنع الكامل، أمرًا يستحق المتابعة.




